تقف هذه الدراسة القانونية عند أثر التقنية في مجال الميراث بموجب الوصية في جنوب أفريقيا، وتنطلق من أبرز مزايا عصر الثورة الصناعية الرابعة، وهو التبادل السريع للسلع والخدمات عبر الإنترنت، فقد أصبحت المعاملات والاتصالات بين الأفراد والمؤسسات تجري بوسائل إلكترونية واسعة الانتشار، ويؤدي قانون الاتصالات والمعاملات الإلكترونية رقم ٢٥ لسنة ٢٠٠٢ دورًا محوريًا في تنظيم هذه المعاملات والاتصالات، غير أنه يستثني من نطاق سريانه أحكام قانون الوصايا رقم ٧ لسنة ١٩٥٣، فينشأ عن هذا الاستثناء وضع تشريعي يثير صعوبات حقيقية في الاعتراف بالوصايا الإلكترونية وفي الحكم بصحتها ونفاذها، وتبرز بذلك مفارقة بين واقع تقني متسارع يمس حياة الناس اليومية وبين إطار قانوني لم يواكب هذا التسارع في مجال يتصل بحقوق الأفراد وأموالهم ومصيرها بعد الوفاة، وتزداد أهمية هذا الموضوع مع اتساع اعتماد الأفراد على الإنترنت في تبادل السلع والخدمات، فصار سؤال ملاءمة القواعد التقليدية للوصايا للبيئة الرقمية سؤالًا عمليًا يفرضه واقع التعامل اليومي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تهدف الدراسة إلى تحقيق جملة من الغايات المترابطة، أولها بيان الصعوبات التي يخلقها استثناء أحكام قانون الوصايا من نطاق قانون الاتصالات والمعاملات الإلكترونية فيما يتصل بالاعتراف بالوصايا الإلكترونية وصحتها، وثانيها إثبات أن التغيرات السريعة التي جاءت بها الثورة الصناعية الرابعة مقترنة بهذا الاستثناء تجعل نظام الميراث بموجب الوصية غير مستجيب للأثر الحالي للتقنية في حياة الناس، وثالثها السعي إلى إيجاد التآزر والتكامل بين القانونين بما يضمن بقاء قانون الوصايا ملائمًا وذا صلة في عصر الثورة الصناعية الرابعة، وقد اعتمد الباحثان مقاربة تحليلية نقدية للنصين التشريعيين وللعلاقة بينهما، مع استحضار الدروس المستفادة من التعديلات التشريعية التي عرفتها الولايات المتحدة الأمريكية في هذا المجال، وصولًا إلى صياغة مقترح عملي لتطوير الإطار القانوني القائم، وتنبع أهمية هذا المسعى من أن الوصية تصرف يرتبط بمصير أموال الإنسان بعد وفاته، فبقاء قواعدها بعيدة عن البيئة الإلكترونية التي يمارس فيها الناس معاملاتهم واتصالاتهم يوسع الفجوة بين القانون والحياة العملية
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى أن استثناء قانون الوصايا من نطاق القانون المنظم للمعاملات الإلكترونية يخلق صعوبات فعلية أمام الاعتراف بالوصايا الإلكترونية وأمام تقرير صحتها، وأن عدم اعتراف المنظومة القانونية بالتقنية وعدم تطبيقها في مجال الميراث بموجب الوصية يجعل ابتكارات الثورة الصناعية الرابعة المتطورة تهدد قانون الوصايا بأن يصبح متجاوزًا فاقدًا لصلته بالواقع، كما انتهت إلى أن نظام الوصايا بصيغته الحالية لا يستجيب للأثر الذي تحدثه التقنية في حياة الناس اليوم، وتقدم الدراسة مقترحًا محددًا مفاده تعديل القانونين معًا لاستيعاب الوصايا الإلكترونية، وأن هذا الاستيعاب يمكن تحقيقه بالجمع بين استخدام التوقيعات الرقمية وتقنية البنية التحتية للمفتاح العام، مستندة في ذلك إلى ما تقدمه التعديلات التشريعية الأمريكية من دروس قابلة للاستفادة، وبينت الدراسة أن الجمع بين التوقيعات الرقمية والبنية التحتية للمفتاح العام هو الآلية التي يمكن بها استيعاب الوصايا الإلكترونية داخل المنظومة القانونية، وأن دروس التجربة الأمريكية تمنح المقترح سندًا مقارنًا داعمًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتجه دلالات الدراسة إلى المشرعين وواضعي السياسات التشريعية في الدول التي ما تزال تشريعات الوصايا فيها مقصورة على الصور التقليدية، إذ تقدم نموذجًا للإصلاح يقوم على الجمع بين نصين قائمين بدل تجاهل أحدهما للآخر، كما تبرز أهمية البعد التقني الأمني في منح الوصية الإلكترونية حجيتها، فالجمع بين التوقيع الرقمي والبنية التحتية للمفتاح العام يوفر أساسًا للتحقق من هوية الموصي ومن سلامة الوصية، ويفيد هذا الطرح الباحثين في القانون المقارن وقانون المعاملات الإلكترونية، إذ يعرض تجربة تشريعية مقارنة يمكن قياس تجارب أخرى عليها عند التفكير في الاعتراف بالمحررات الإلكترونية في التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت، كما تلفت الدراسة انتباه ممارسي المهن القانونية إلى أن مستقبل الوصايا مرتبط بقدرة النظم القانونية على استيعاب الوسائل الإلكترونية بما يحفظ مقاصد التوثيق ذاتها، وتفتح بابًا لمزيد من البحث في مواءمة تشريعات الميراث والمعاملات مع متطلبات البيئة الرقمية
وخلاصة القول إن الدراسة تدعو إلى مواءمة تشريعية بين قانون الاتصالات والمعاملات الإلكترونية وقانون الوصايا في جنوب أفريقيا، بحيث تُفتح الطريق أمام الاعتراف بالوصايا الإلكترونية وصحتها عبر تعديل القانونين والجمع بين التوقيعات الرقمية والبنية التحتية للمفتاح العام، وبذلك يستعيد قانون الوصايا صلته بعصر الثورة الصناعية الرابعة وتبقى قواعد الميراث بموجب الوصية مستجيبة لما تحدثه التقنية من أثر في حياة الناس، فتتحقق بذلك الغاية من إيجاد التآزر بين القانونين وبقاء قانون الوصايا ذا صلة بزمانه








