يتطلب الرد على طلبات الشرطة المتعلقة بالجريمة وغير المتعلقة بها، في بيئة عمل شرطي متزايدة التعقيد، وسائل أكثر دقة لقياس هذا الطلب وتوزعه، فقد اعتادت الإحصاءات التقليدية أن تعد الجرائم أعدادًا مجردة لا تميز بين جسامة آثارها، وجاءت مؤشرات ضرر الجريمة لتمنح كل جريمة وزنًا بحسب ضررها وشدتها، غير أنها تقتصر على الجرائم وحدها ولا تصلح لتحليل الطلب غير الجنائي، وهنا تقدم هذه الدراسة أداة مكمّلة هي مؤشر جهد استجابة الشرطة الذي يزن أنماط الطلب بحسب الجهد الزمني الذي تستغرقه الاستجابة الأولية للشرطة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير مؤشر جهد استجابة الشرطة ووصف خطوات بنائه في نيوزيلندا ليكون قالبًا قابلًا للتطبيق في ولايات قضائية أخرى، وينطلق المؤشر من قيم ترجيحية لأنماط الطلب الجنائي وغير الجنائي بحسب مقدار الجهد، مقاسًا بالوقت، الذي ينطوي عليه عادة تعامل الشرطة في استجابتها الأولية لكل نمط، وبذلك يكمل المؤشر عدّات الجرائم التقليدية ومؤشرات الضرر معًا، إذ يضيف بعدًا ثالثًا للمقارنة بين أنماط الطلب هو كلفة الاستجابة ذاتها، ويتيح تحليل الطلبين الجنائي وغير الجنائي في إطار قياسي واحد لم يكن متاحًا من قبل
ثانيًا: أبرز النتائج
تستعرض الدراسة الأساس الذي يقوم عليه المؤشر وما أتاحته التحليلات السابقة بمؤشرات الضرر من دروس، إذ أظهرت تلك التحليلات أن الضحايا والجناة والأماكن والأوقات ذات الضرر المرتفع تختلف عما تبرزه عدّات الجرائم غير المرجحة بوصفه أولوية لموارد الشرطة، ويأتي مؤشر الجهد ليعمق هذا الفهم بتمكين الشرطة من اتخاذ قرارات وتوجيه تدخلات بإدراك أدق لمواضع تركّز جهدها زمانًا ومكانًا وعلى أي الفئات، فبدل الاكتفاء بسؤال أين تقع الجرائم أكثر، يجيب المؤشر عن سؤال أين يُستهلك عمل الشرطة فعليًا، وهو سؤال حاسم لتخطيط القوى العاملة وتوزيع الدوريات
وتتمثل الإضافة الجوهرية للمؤشر في أنه يحرر تحليل الطلب الشرطي من ثنائية العد والضرر، فليست كل واقعة متساوية في ما تستهلكه من وقت الدوريات وغرف العمليات وطواقم الاستجابة، وقد تكون أنماط طلب قليلة الضرر مرتفعة الجهد فتلتهم حصة كبيرة من طاقة الجهاز دون أن تظهر في قوائم الأولويات المبنية على الجسامة وحدها، وعلى هذا النحو يكشف المؤشر عن اختلالات خفية في توزيع الأعباء بين المناطق والأوقات والفئات، ويمنح القيادات الشرطية أساسًا كميًا لإعادة جدولة المناوبات وتحديد مواضع الانتشار بما يوازن بين الطلب المتوقع والقدرة الفعلية على الاستجابة الميدانية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه الأداة دلالات عملية واسعة لأجهزة الشرطة وصناع السياسات الأمنية، إذ تساعد على إعادة توزيع الموارد وفق الجهد الحقيقي لا وفق عدد الوقائع وحده، وعلى كشف أنماط الطلب غير الجنائي التي تلتهم وقت الاستجابة بصمت كطلبات الخدمة الاجتماعية والحوادث غير الجنائية، كما يقدم وصف تطوير المؤشر في نيوزيلندا نموذجًا إجرائيًا تستطيع الأجهزة في دول أخرى تكييفه مع بياناتها وتصنيفاتها المحلية للطلب، وتدعو الدراسة ضمنيًا إلى بحوث تقييمية لاحقة تقيس أثر استخدام المؤشر في قرارات النشر والانتشار، وتربط أوزان الجهد بمؤشرات الضرر والرضا المجتمعي في منظومة قياس متكاملة لأداء الشرطة
ويمتد أثر المؤشر إلى التخطيط المالي والتعاقدي داخل أجهزة الشرطة، إذ يسمح بتقدير كلفة أنماط الطلب المختلفة وتبرير طلبات التوظيف والمعدات بأرقام الجهد لا بانطباعات العبء، كما يصلح أساسًا لمقارنات عادلة بين الوحدات الشرطية ذات ملفات الطلب المتباينة، ويعين المجتمعات المحلية على فهم أسباب بطء الاستجابة أحيانًا في مناطق تبدو هادئة إحصائيًا، وتمهد الدراسة لدراسات تربط أوزان الجهد بعوامل كالبنية العمرانية والكثافة السكانية والخدمات الاجتماعية المجاورة، وتبحث في تغير هذه الأوزان مع التحول الرقمي في تلقي البلاغات ومعالجتها
وتكتسب هذه الأداة أهميتها القصوى في زمن تتوسع فيه مهام الشرطة إلى مجالات الرعاية الاجتماعية والصحة النفسية وإدارة الأزمات، فتتنافس على وقت الاستجابة أنماط طلب لم تكن في صلب العمل الشرطي التقليدي، ويصبح من الظلم تقييم أداء الوحدات بعدّات الجرائم وحدها، كما يصبح من غير المجدي تخطيط الموارد دون معرفة الجهد الحقيقي لكل نمط، وهنا يقدم وصف التجربة النيوزيلندية خارطة طريق عملية للدول الراغبة في تحديث منظومات قياس أدائها الشرطي بما يواكب تعقد الطلب المعاصر
وخلاصة القول إن مؤشر جهد استجابة الشرطة يضيف إلى عدّات الجرائم ومؤشرات ضررها بعدًا غائبًا هو زمن الجهد المستغرق في الاستجابة، بما يمنح أجهزة الشرطة رؤية أدق لتركّز عملها ويؤسس لتخطيط موارد أكثر عدالة وفاعلية








