يتمتع الأفراد المثقفون إخباريًا بالمعرفة والمهارات والدافعية اللازمة للتنقل في منظومات الأخبار المعقدة في العصر الراهن والمشاركة في الحياة المدنية مشاركة واعية، غير أن مستوى هذه الثقافة وعلاقتها بأنماط استهلاك الأخبار ما يزالان بحاجة إلى قياس منهجي في سياقات وطنية مختلفة، وتزداد أهمية هذا القياس في ظل تحولات متسارعة يشهدها المشهد الإعلامي مع تراجع أنماط المشاهدة التقليدية وصعود المنصات الرقمية، ومن هنا تستهدف هذه الدراسة فحص العلاقة بين مشاهدة أخبار هيئات البث ذات الخدمة العامة ومستوى الثقافة الإخبارية لدى الجمهور في النمسا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استخدام البحث المسحي لتقويم الثقافة الإخبارية وأبعادها الاتجاهية لدى مشاهدي برامج الأخبار التلفزيونية على هيئات البث ذات الخدمة العامة وغير مشاهديها، بالاستناد إلى نموذج قياس قائم طوره ماكسل وآشلي وكرافت، وطُبقت الدراسة على عينة ممثلة من مستهلكي الأخبار البالغين في النمسا بلغ حجمها 492 مشاركًا، وبذلك وفرت الدراسة قياسًا أساسيًا للثقافة الإخبارية في هذه الفئة يمكن أن تبنى عليه المقارنات المستقبلية، كما أتاحت فحص ما إذا كانت الفروق بين المشاهدين وغير المشاهدين تعود إلى المشاهدة ذاتها أم إلى متغيرات مصاحبة مثل العمر والمستوى التعليمي
ويستند توظيف نموذج القياس المعتمد إلى حاجة التخصص الناشئ في الثقافة الإخبارية إلى أدوات مقننة تتيح المقارنة بين الدراسات والدول، فالثقافة الإخبارية ليست انطباعًا عامًا بل بناء مركب من المعرفة ببنية صناعة الأخبار والمهارات اللازمة لتقويم مصادرها والاتجاهات الدافعة إلى متابعتها النقدية، وقد أتاح المسح الممثل للسكان البالغين تقدير هذا البناء لدى فئتين متقابلتين هما مشاهدو أخبار الخدمة العامة ومن لا يشاهدونها، مع إخضاع الفروق المرصودة لضبط إحصائي يبعد أثر التركيبة العمرية والتعليمية المختلفة بين الفئتين عن تفسير النتائج
ثانيًا: أبرز النتائج
أشارت النتائج المتحصلة إلى أن مشاهدي أخبار هيئات البث ذات الخدمة العامة المنتظمين أكثر ميلًا بفارق دال إلى إظهار خصائص الأفراد الأعلى ثقافة إخبارية، وذلك حتى بعد ضبط متغيري العمر والمستوى التعليمي، وهو ما يعني أن العلاقة بين مشاهدة أخبار الخدمة العامة والثقافة الإخبارية لا تفسرها الخصائص الديموغرافية وحدها، بل ترتبط بطبيعة المحتوى الإخباري العام وما يتيحه من معرفة ببنية صناعة الأخبار ومعاييرها، وتكتسب هذه النتيجة وزنها من كونها موثقة بعينة ممثلة تصلح أساسًا للمقارنة عبر الزمن وعبر الدول
ويحمل ثبات الفارق بعد ضبط العمر والتعليم دلالة منهجية وموضوعية في آن واحد، فمنهجيًا يستبعد أن يكون الفارق مجرد انعكاس لكون مشاهدي أخبار الخدمة العامة أكبر سنًا أو أعلى تعليمًا في المتوسط، وموضوعيًا يرجح أن لمحتوى هذه الأخبار ذاته وما يتسم به من معالجات معمقة وسياقات شارحة أثرًا تراكميًا في بناء معرفة المشاهد بصناعة الأخبار ومهاراته في تقويم مصادرها، وبذلك تقدم الدراسة خطًا أساسيًا موثقًا يمكن قياس التحولات اللاحقة عليه كلما تغيرت أنماط المشاهدة وتبدلت عادات الجمهور الإخبارية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يسد إرساء قياس أساسي للثقافة الإخبارية في هذه الفئة، وسط مشهد إعلامي متحول، فجوة بحثية في هذا التخصص الناشئ، ويوفر نقطة مرجعية مفيدة للدراسات المستقبلية التي تتعقب تطور الثقافة الإخبارية وأثر التحولات الرقمية فيها، كما تحمل النتائج دلالات لهيئات البث ذات الخدمة العامة ولصناع السياسات الإعلامية، إذ تدعم الدور المدني الذي يؤديه الإعلام العام في بناء مواطن قادر على تقويم الأخبار والمشاركة في الحياة العامة، وتشجع على الاستثمار في برامج التربية الإعلامية التي تعزز هذه الثقافة لدى غير المشاهدين أيضًا
وتتعمق دلالة النتائج حين توضع في سياق الجدل حول مستقبل الإعلام العام، فإذا كان مشاهدو أخبار الخدمة العامة أعلى ثقافة إخبارية حتى بعد استبعاد أثر التعليم والعمر، فهذا يعزز حجة بقاء هذا النمط من البث وتمويله بوصفه بنية مدنية لا مجرد قناة إخبارية، ويدعو في المقابل إلى التفكير في كيفية الوصول إلى غير المشاهدين الذين تتركز بينهم مستويات الثقافة الإخبارية الأدنى، سواء عبر صيغ رقمية جديدة للمحتوى العام أو عبر شراكات مع المدارس وبرامج التربية الإعلامية، حتى لا تتسع فجوة معرفية موازية للفجوة القائمة في أنماط المشاهدة واستهلاك الأخبار
وخلاصة القول إن مشاهدي أخبار هيئات البث ذات الخدمة العامة في النمسا يتمتعون بمستوى أعلى من الثقافة الإخبارية مقارنة بغير المشاهدين، وإن القياس الأساسي الذي أرسته هذه الدراسة مرجع مهم لفهم موقع الثقافة الإخبارية في زمن التحول الإعلامي وسبل تنميتها








