تتجه الأنظار بصورة متزايدة إلى ضرورة دمج التدريبات الهادفة إلى تنمية المهارات الحياتية لدى الأطفال المحرومين في المدارس، إذ يلاحظ غياب برامج تدخل مصممة لهذا الغرض رغم حاجة هذه الفئة الماسة إليها، فالطلاب المحرومون يواجهون ظروفًا اجتماعية واقتصادية صعبة قد تشمل اللجوء والكوارث الطبيعية، ويحتاجون إلى مهارات حياتية تمكنهم من حل المشكلات ومواجهة تحديات الحياة اليومية، ومن هنا تأتي هذه الدراسة لتفحص أثر أحد المشاريع التربوية الكبرى المصممة لسد هذه الفجوة في السياق التركي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص آثار الأنشطة خارج المدرسة المنفذة في إطار مشروع مهارات الحياة للمدارس في مهارات حل المشكلات لدى الطلاب المحرومين، وقد نُفذ هذا المشروع بالتعاون بين منظمة الأمم المتحدة للطفولة ووزارة التربية الوطنية في جمهورية تركيا، وصُمم بهدف تعزيز المهارات الحياتية لدى الطلاب وإعدادهم للحياة، وبُني المشروع بدقة ليلبي الاحتياجات الخاصة للطلاب المحرومين، وشمل تنفيذه طلابًا لاجئين سوريين وطلابًا متأثرين بزلزال وقع حديثًا، وتكونت عينة الدراسة من 852 طالبًا ملتحقين بالصف التاسع، واعتمدت الدراسة نموذجًا تجريبيًا ذا مجموعة واحدة باختبارين قبلي وبعدي، قورنت فيه درجات الطلاب قبل المشروع وبعده للتحقق من أثر الأنشطة في مهارات حل المشكلات لديهم
وقد روعي في تصميم الدراسة أن تكون الأنشطة خارج المدرسة ممتدة زمنيًا بصورة تسمح بتراكم أثرها في مهارات حل المشكلات، وأن تقاس المهارة قبل بدء الأنشطة وبعد اكتمالها لدى المجموعة ذاتها، بما يجعل الفرق المرصود قابلًا للعزو إلى المشروع بدرجة معقولة من الثقة، كما أن شمول العينة طلابًا من خلفيات هشة متنوعة بين لاجئين سوريين ومتأثرين بالزلزال يمنح النتائج واقعية ميدانية، لأن المشروع لم يختبر في ظروف مثالية بل في سياقات تعليمية حقيقية مثقلة بالتحديات النفسية والاجتماعية التي يواجهها الطلاب المحرومون في حياتهم اليومية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت مقارنة درجات الاختبارين القبلي والبعدي وجود فرق دال لصالح الاختبار البعدي، وبينت نتائج الدراسة أن مشروع مهارات الحياة للمدارس كان فعّالًا في تعزيز مهارات حل المشكلات لدى الطلاب المحرومين، كما كشف ختام المشروع أن الطالبات أظهرن تحسنًا أكبر في مهارات حل المشكلات مقارنة بزملائهم من الطلاب، وهي نتيجة تفتح بابًا للتفكير في كيفية استجابة الجنسين لأنشطة المهارات الحياتية وفي تصميم أنشطة تراعي احتياجات كل منهما، وتؤكد في الوقت ذاته أن التدخلات خارج المدرسة المخطط لها بعناية قادرة على إحداث فروق قابلة للقياس في مهارات حياتية جوهرية لدى أكثر الفئات الطلابية هشاشة
ويعني الفارق الدال لصالح الاختبار البعدي أن التحسن لم يكن ثمرة النضج الطبيعي أو مرور الوقت وحدهما على الأرجح، بل ارتبط بأنشطة المشروع التي وفرت للطلاب خبرات منظمة في مواجهة المشكلات والبحث عن حلول لها في سياقات آمنة وداعمة، وقد جاء تفوق الطالبات لافتًا ليضيف بعدًا جديدًا إلى فهم استجابة الفئات المحرومة للتدخلات الحياتية، فربما وجدت الطالبات في الأنشطة مساحة تعبير وتفاعل افتقدنها في بيئاتهن المقيدة اجتماعيًا، ما ضاعف حصيلتهن من المشروع قياسًا إلى زملائهن من الطلاب في الظروف ذاتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات مهمة لصناع السياسات التربوية والمنظمات الدولية العاملة في التعليم، إذ تدعم دمج أنشطة المهارات الحياتية المنظمة في البيئة المدرسية وخارجها للطلاب المحرومين، ولا سيما اللاجئين والمتأثرين بالكوارث، وتشير إلى أن الاستثمار في هذه المهارات يعزز قدرة الطلاب على التكيف وحل المشكلات في ظروف استثنائية، كما تدعو النتائج إلى مزيد من الدراسات التي تفحص آثارًا طويلة المدى لهذه المشاريع وتقارن بين تصاميم تدخلية مختلفة للوصول إلى النماذج الأكثر فاعلية وعدالة في توزيع أثرها بين الطلاب والطالبات
وتتحدث النتائج إلى جمهور واسع من المهتمين بتعليم الفئات المحرومة، فهي تقدم دليلًا ميدانيًا على أن الأنشطة خارج المدرسة ليست ترفًا ترفيهيًا بل أدوات تعليمية قادرة على تنمية مهارات عقلية واجتماعية قابلة للقياس، وأن دمجها في الخطط المدرسية يتطلب تدريب المعلمين على تصميمها وربطها بأهداف المهارات الحياتية ربطًا منهجيًا، كما يلفت تفوق الطالبات في التحسن نظر الباحثين إلى إمكانات تصميم أنشطة تستثير دافعية الطلاب الذكور بدرجة مماثلة، سواء عبر أنشطة حركية أو تحديات جماعية تنافسية، حتى يتوزع أثر المشروع بعدالة بين الجنسين ولا يبقى حكرًا على فئة دون أخرى
وخلاصة القول إن مشروع مهارات الحياة للمدارس أثبت فاعلية واضحة في تنمية مهارات حل المشكلات لدى الطلاب المحرومين في تركيا، وإن تعميم مثل هذه المشاريع المدروسة يمثل مسارًا واعدًا لتحويل التعليم إلى أداة حماية وتمكين للفئات الأكثر احتياجًا








