يعد إعداد المعلمين المرشحين إعدادًا بيئيًا ركيزة أساسية لبناء أجيال واعية بقضايا الاستدامة، إذ ينقل المعلم وعيه وسلوكه إلى طلابه ومجتمعه المدرسي، وفي هذا الإطار تتناول هذه الدراسة العلاقات المتشابكة بين وعي المعلمين المرشحين بخفض البصمة البيئية وسلوكيات استهلاكهم المستدامة وسلوكياتهم تجاه التربية البيئية المستدامة، وهي علاقات لم تحظ بفحص نمذجي متكامل يكشف مسارات التأثير المباشرة وغير المباشرة بين مكوناتها، رغم أهميتها في توجيه برامج إعداد المعلمين وتطوير مناهج التربية البيئية في كليات التربية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى كشف العلاقات بين وعي المعلمين المرشحين بخفض البصمة البيئية وسلوكيات استهلاكهم المستدام وسلوكياتهم تجاه التربية البيئية المستدامة، وذلك باستخدام نمذجة المعادلات البنائية، واعتمدت الدراسة نموذج المسح المقطعي، وتكونت عينة الدراسة من 533 معلمًا مرشحًا يدرسون في برامج إعداد معلمي العلوم ورياض الأطفال والتعليم الابتدائي والدراسات الاجتماعية في جامعات حكومية تقع في ثلاث محافظات مختلفة في شرق تركيا، وبذلك غطت العينة تخصصات تربوية متنوعة تتيح تعميم النتائج على قطاعات واسعة من المعلمين المرشحين في برامج الإعداد المختلفة
وقد اختيرت نمذجة المعادلات البنائية لأنها تتيح اختبار العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين المتغيرات الثلاثة في نموذج واحد، بما يكشف أدوار الوساطة التي لا تظهرها الارتباطات الثنائية البسيطة، وجمعت البيانات بأدوات المسح الملائمة لطبيعة النموذج المقطعي، كما أن تنوع برامج الإعداد المشمولة بالعينة بين العلوم ورياض الأطفال والتعليم الابتدائي والدراسات الاجتماعية يجعل النتائج معبرة عن المعلمين المرشحين عبر مسارات تربوية متباينة في طبيعة مقرراتها وعلاقتها المباشرة بقضايا البيئة، وهو تنوع يقوي القيمة التفسيرية للنموذج الافتراضي المختبر
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج تحليل البيانات وجود علاقة موجبة متوسطة بين وعي البصمة البيئية وسلوك الاستهلاك المستدام، وعلاقة موجبة متوسطة بين وعي البصمة البيئية والسلوك تجاه التربية البيئية المستدامة، وعلاقة موجبة مرتفعة بين سلوك الاستهلاك المستدام والسلوك تجاه التربية البيئية المستدامة، وبينت نتائج نمذجة المعادلات البنائية أن لوعي خفض البصمة البيئية أثرًا غير مباشر ضعيفًا لكنه دال في السلوك تجاه التربية البيئية المستدامة، وأن سلوك الاستهلاك المستدام يؤدي دورًا وسيطًا جزئيًا في هذا الأثر، كما كان الأثر الكلي لوعي خفض البصمة البيئية في السلوك تجاه التربية البيئية المستدامة موجبًا ودالًا إحصائيًا، ويفسر وعي خفض البصمة البيئية 85 في المئة من سلوك الاستهلاك المستدام، بينما يفسر الوعي مع سلوك الاستهلاك المستدام مجتمعين 14.6 في المئة من السلوك تجاه التربية البيئية المستدامة
وتستوقف النتيجة الخاصة بتفسير الوعي لنسبة مرتفعة من تباين سلوك الاستهلاك المستدام النظر، فهي تعني أن سلوكيات الاستهلاك اليومية للمعلمين المرشحين من ترشيد للطاقة والماء واختيارات شرائية صديقة للبيئة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يعرفونه عن بصمتهم البيئية وما يدركونه من أثر لها، في حين يبدو انتقال هذا الأثر إلى سلوكيات التربية البيئية المستدامة أكثر تعقيدًا وتوسطًا، إذ يمر عبر الممارسة الاستهلاكية ذاتها ويحتاج إلى دعائم منهجية وتنظيمية داخل كليات التربية لتتحول القناعات البيئية إلى ممارسات صفية فعلية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير هذه النتائج إلى أن رفع وعي المعلمين المرشحين بالبصمة البيئية يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في تحسين سلوكيات استهلاكهم المستدامة وسلوكياتهم تجاه التربية البيئية المستدامة، وهو ما يوجه القائمين على برامج إعداد المعلمين إلى تضمين قضايا البصمة البيئية وخفضها مضمونًا صريحًا في المقررات والأنشطة، وإلى ربط الوعي البيئي بالممارسات الاستهلاكية اليومية للمعلم المرشح، بوصف سلوك الاستهلاك المستدام قناة وسيطة تنقل أثر الوعي إلى سلوكيات التربية البيئية داخل الفصول الدراسية مستقبلًا
وتتفرع عن هذه النتائج توصيات عملية لتصميم مناهج كليات التربية، منها بناء وحدات تعليمية تربط حساب البصمة البيئية الشخصية بسلوكيات الاستهلاك اليومي للطالب المعلم، وتنظيم أنشطة تطبيقية داخل الحرم الجامعي تجعل الاستهلاك المستدام ممارسة معيشة لا معرفة نظرية فحسب، إضافة إلى تضمين تقويم الوعي البيئي وسلوكياته مؤشرات معتمدة في تقويم مخرجات برامج الإعداد، فحين يختبر المعلم المرشح العلاقة بين وعيه وممارسته بنفسه يصبح أقدر على نقلها إلى تلاميذه مستقبلًا بوصفها خبرة حية لا شعارات مجردة تفتقر إلى الإقناع
وخلاصة القول إن وعي المعلمين المرشحين بالبصمة البيئية يرتبط ارتباطًا موجبًا بسلوكياتهم الاستهلاكية المستدامة وباتجاهاتهم السلوكية نحو التربية البيئية المستدامة، وإن الاستثمار في هذا الوعي خلال مرحلة الإعداد يمثل مدخلًا واعدًا لبناء معلمين يحملون الاستدامة معرفة وممارسة إلى أجيالهم








