يخلق التكامل المالي تعقيدات متزايدة في انتقال المخاطر بين السلع والعملات والأسهم، تغذيه نظم معلومات لا تنقل الصدمات فورًا، وتتجلى خطورة هذه التعقيدات في الدول المعتمدة على السلع الأساسية خلال الأزمات، إذ قد تتحول صدمة في سوق واحدة إلى عدوى تعم بقية الأسواق، وتتناول هذه الدراسة الترابط الدينامي عبر الزمن والتردد بين السلع والعملات المضغوطة والأسهم في دول أفريقيا جنوب الصحراء المعتمدة على السلع، وهي بوتسوانا وغانا وكينيا وناميبيا، بهدف رسم خريطة دقيقة لاتجاهات انتقال الصدمات وقنواتها بين هذه الأسواق
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل الترابط المتصل زمنيًا وتردديًا بين السلع وأسعار الصرف وأسواق الأسهم في الدول الأربع محل الدراسة، مع التركيز على السلع التي تسهم إسهامًا كبيرًا في إيرادات صادراتها، وتشمل سلعًا زراعية هي الكاكاو والقهوة والذرة والقطن، ومعادن صناعية هي الألمنيوم والنحاس والنيكل والزنك، وغطت البيانات المدة من يناير 2012 إلى ديسمبر 2022، واعتمدت الدراسة مؤشر بارونيك وكريهليك لقياس الترابط عبر الترددات الزمنية المختلفة، واستكملت التحليل بمنهج الانحدار الذاتي المتجهي ذي المعلمات المتغيرة زمنيًا، وباختبار سببية غير خطي، بما يتيح التمييز بين الترابط في الأجل القصير والترابط في الأجل الطويل وتتبع تطوره عبر الأزمات المتعاقبة
وتبرز أهمية التمييز بين الأجلين القصير والطويل في هذا النوع من التحليل، فالصدمات المالية قد تبدو محتواة في الأسابيع الأولى ثم تتسع عبر قنوات متراكمة، ومؤشر الترابط عبر الترددات يتيح رؤية هذه الطبقات الزمنية منفصلة، بينما يكمل نموذج المعلمات المتغيرة زمنيًا الصورة بتتبع كيف يتبدل الترابط ذاته عند وقوع الأزمات، وباجتماع الأداتين تتفادى الدراسة متوسطًا ساكنًا قد يخفي لحظات العدوى الحرجة، وهو ما يجعل نتائجها قابلة للاستخدام في الإنذار المبكر لا في الوصف التاريخي فقط
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج عن انتقالات متباينة للمخاطر بين الأسواق محل الدراسة، وبرز الأجل الطويل بوصفه مدة العدوى، إذ تتعدد فيه انتقالات الصدمات ثنائية الاتجاه بين الأسواق، وأيد منهج الانحدار الذاتي المتجهي ذي المعلمات المتغيرة زمنيًا هذه الصورة، إذ لوحظت العدوى خلال جائحة كورونا وانهيار أسعار النيكل ومرحلة العملات المضغوطة والنزاع الروسي الأوكراني، وبينت النتائج أن السلع والعملات مرسلات صافية للصدمات، بينما عملت أسواق الأسهم محل الدراسة متلقية للصدمات، مع استثناءات قليلة، وقد عزز اختبار السببية غير الخطي هذه النتيجة، بما يعني أن مصادر الاضطراب الأصلية في هذه الاقتصادات كامنة في أسواق السلع والعملات لا في أسواق الأسهم المحلية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي النتائج على دلالات مهمة لصناعة السياسات واستراتيجيات تنويع المحافظ وأساليب إدارة المخاطر، إذ توصي الدراسة البنوك المركزية في الاقتصادات محل الدراسة بتنفيذ سياسات قوية لإدارة المخاطر تأخذ هذه الروابط المتبادلة في الحسبان، فلا تعالج كل سوق بمعزل عن الأخرى، كما توصي بتنويع الاقتصاد بقطاعات مبتكرة جديدة لخفض تعرض المنطقة لصدمات السلع والعملات، وبتعزيز تطوير أسواق الأسهم لتقوية قدرتها على امتصاص الصدمات بدل تلقيها فقط، ويفيد المستثمرين من هذه الخريطة أن التحوط الفعال في هذه الأسواق يبدأ من مراقبة أسواق السلع والعملات بوصفها مصادر الصدمة، وأن فترات الأزمات تشهد اشتداد العدوى ولا سيما عبر الأفق الطويل
كما تستدعي النتائج إعادة نظر في موقع أسواق الأسهم داخل استراتيجيات التنمية المالية في هذه الدول، فكونها متلقية للصدمات يعكس ضحالة نسبية وحساسية عالية للمؤثرات الخارجية، وتعميقها بأدوات ومنتجات وشرائح مستثمرين أوسع قد يحولها تدريجيًا من حلقة ضعيفة ناقلة للاضطراب إلى ممتص للصدمات، وتبقى مراقبة أسعار السلع العالمية والعملات المضغوطة هي خط الدفاع الأول، لأن الصدمة تولد هناك قبل أن تصل إلى بقية الأسواق، ومن يرصدها مبكرًا يكسب زمنًا ثمينًا للتدخل الوقائي
وتزداد قيمة هذه الخريطة في أوقات الاضطراب العالمي، إذ تبين أن النزاعات الكبرى والأوبئة وانهيارات أسعار سلع بعينها ليست أحداثًا خارجية عابرة، بل صدمات تنتقل عبر قنوات مقاسة يمكن رصدها، ومن يمتلك هذه الخريطة من البنوك المركزية ومديري المحافظ يستطيع تقدير سرعة وصول الصدمة واتجاهها قبل اكتمال آثارها، فيبني استجابته على توقع مستند إلى بنية الترابط لا على رد فعل متأخر
وخلاصة القول إن أسواق السلع والعملات في دول أفريقيا جنوب الصحراء المعتمدة على السلع هي مرسلات الصدمات الرئيسة، وأسواق أسهمها متلقية، وإن إدارة هذا الترابط بسياسات مخاطر واعية وتنويع اقتصادي وتطوير لأسواق الأسهم تمثل شروطًا لازمة لخفض هشاشة هذه الاقتصادات أمام الأزمات العالمية








