يحظى أثر الأنشطة الموسيقية الجماعية في النمو النفسي والاجتماعي للطلاب باهتمام متزايد في الأدبيات التربوية والنفسية، إذ تشير شواهد متنامية إلى أن المشاركة في أنشطة الغناء الجماعي يمكن أن تعزز تنمية الكفاءات الاجتماعية والوجدانية لدى المشاركين، وأن تخفف في الوقت نفسه من مستويات الاحتراق الأكاديمي الذي يعانيه كثير من طلاب الجامعات بفعل الضغوط الدراسية المتراكمة، وبينما ركزت دراسات سابقة على آثار الموسيقى في الأطفال والمراهقين، ظلت الشواهد المتعلقة بطلاب الجامعات أقل وفرة، ولا سيما في السياقات الآسيوية، ومن هذا المنطلق تأتي هذه الدراسة لتقارن بين طلاب جامعيين يشاركون في أنشطة الغناء الجماعي وآخرين لا يشاركون فيها، من حيث كفاءاتهم الاجتماعية والوجدانية ومستويات احتراقهم الأكاديمي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم تأثير أنشطة الغناء الجماعي في الكفاءات الاجتماعية والوجدانية والاحتراق الأكاديمي لدى طلاب الجامعات الصينيين، وقد اعتمدت تصميمًا بحثيًا مقارنًا مقطعيًا لاستكشاف خصائص نمو الكفاءات الاجتماعية والوجدانية والاحتراق الأكاديمي لدى طلاب جامعات في شرق الصين ممن شاركوا في أنشطة الغناء الجماعي ومن لم يشاركوا فيها، وجمعت البيانات باستخدام بطارية تقويم الكفاءة الاجتماعية والوجدانية للبالغين وقائمة ماسلاك للاحتراق بنسخة الطلاب، وشملت العينة 364 طالبًا شاركوا في الغناء الجماعي و360 طالبًا لم يشاركوا فيه، وحللت البيانات باختبار تاء للعينات المستقلة ومعامل ارتباط بيرسون وتحليل الانحدار، بما أتاح المقارنة بين المجموعتين وفحص العلاقات الارتباطية والتنبؤية بين المتغيرات
ثانيًا: أبرز النتائج
كشف التحليل عن فروق ذات دلالة إحصائية في جميع المتغيرات المقوّمة بين مجموعتي المشاركين، إذ أظهر الطلاب المنخرطون في أنشطة الغناء الجماعي مستويات أعلى من الكفاءات الاجتماعية والوجدانية مقارنة بأقرانهم غير المشاركين، كما أظهروا مستويات أدنى من الاحتراق الأكاديمي، وأكدت النتائج أن الانخراط في الغناء الجماعي يمكن أن يعزز بدرجة دالة تنمية الكفاءات الاجتماعية والوجدانية لدى طلاب الجامعات وأن يخفف من حدوث الاحتراق الأكاديمي لديهم، وعلاوة على ذلك أثبتت النتائج وجود علاقة عكسية بين تعزيز الكفاءات الاجتماعية والوجدانية والاحتراق الأكاديمي، وأبرزت علاقة تنبؤية بينهما، بما يعني أن الطلاب الأعلى كفاءة اجتماعية ووجدانية أقل عرضة للإصابة بالاحتراق الأكاديمي وأكثر قدرة على مواجهة ضغوط الدراسة
ويلاحظ أن تصميم الدراسة المقارن بين مجموعتين كبيرتين متقاربتين في الحجم منح النتائج قدرة أكبر على إظهار الفروق بين المشاركين وغير المشاركين في جميع المتغيرات المدروسة، وأن العلاقة التنبؤية المتبادلة الاتجاه بين الكفاءات الاجتماعية والوجدانية والاحتراق الأكاديمي تفتح فهمًا مزدوجًا للظاهرة، فمن جهة تخفف المشاركة الغنائية الجماعية من الاحتراق عبر ما تتيحه من تعبير وجداني وتواصل اجتماعي ودعم متبادل بين الأعضاء، ومن جهة أخرى تعمل الكفاءات الاجتماعية والوجدانية ذاتها بوصفها موردًا داخليًا يحمي الطالب من الانزلاق إلى الاحتراق حين تتراكم الضغوط الدراسية وتشتد متطلبات الأداء في المواسم الامتحانية وفترات التقييم المكثفة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات تطبيقية مهمة لمؤسسات التعليم العالي، إذ تدعو إلى إدماج أنشطة الغناء الجماعي والأنشطة الموسيقية الجماعية عمومًا في الحياة الجامعية بوصفها وسيلة منخفضة الكلفة لتعزيز الكفاءات الاجتماعية والوجدانية للطلاب ووقايتهم من الاحتراق الأكاديمي، كما تفيد مخططي الأنشطة الطلابية والإرشاد الجامعي في تصميم برامج داعمة تبني مهارات التواصل والتعاطف وإدارة الانفعالات لدى الطلاب، وتشير النتائج كذلك إلى قيمة الاستثمار في الكفاءات الاجتماعية والوجدانية ذاتها بوصفها عامل حماية من الاحتراق، بما يدعم توجهات الجامعات نحو الاهتمام بالرفاه النفسي للطلاب وتنمية شخصياتهم المتكاملة إلى جانب تحصيلهم الدراسي، لا في الصين وحدها بل في السياقات الجامعية المشابهة حول العالم
وتمتد دلالات الدراسة إلى سياسات الأنشطة الجامعية وبرامج الدعم النفسي في مؤسسات التعليم العالي، إذ يمكن للجامعات أن تنظر إلى الفرق الغنائية الجماعية والمجموعات الموسيقية الطلابية بوصفها بنية دعم نفسي واجتماعي منخفضة العبء وعالية القبول لدى الطلاب، فتدمجها في برامج الاستقبال والتهيئة الجامعية وفي خطط مواجهة الضغوط الأكاديمية، كما يمكن للمرشدين الأكاديميين والنفسيين توجيه الطلاب المعرضين للاحتراق نحو مثل هذه الأنشطة الجماعية المعبرة، وقياس أثرها في مؤشرات رفاههم وتكيفهم، بما يحول النشاط الفني الجماعي من هواية جانبية إلى عنصر مقصود في منظومة الرفاه الجامعي الشاملة
وخلاصة القول إن الغناء الجماعي ليس نشاطًا ترفيهيًا هامشيًا في الحياة الجامعية، بل مورد نفسي واجتماعي يمكن أن يرفع كفاءات الطلاب الاجتماعية والوجدانية ويحد من احتراقهم الأكاديمي، وهو ما يجعل توسيع حضور الأنشطة الموسيقية الجماعية في الجامعات خيارًا جديرًا بالاهتمام لدى صناع القرار التربوي








