يمثل إخفاء المعرفة أحد السلوكيات التنظيمية الخفية التي تقوض أداء المنظمات من الداخل، فحين يتعمد الموظف حجب معلومة طلبها زميل منه، أو يقدم إجابة مراوغة مضللة، أو يتظاهر بعدم المعرفة رغم امتلاكه الإجابة، تتعرقل الأعمال وتضعف الثقة وتتباطأ عمليات التعلم الجماعي وتبادل الخبرات، وتزداد كلفة هذا السلوك في منظمات تعتمد في تنافسيتها على تدفق المعرفة بوصفها موردًا استراتيجيًا، ولا يحدث هذا السلوك عشوائيًا، بل تقف خلفه منظومة من العوامل الشخصية والبين شخصية والتنظيمية التي تتفاعل فيما بينها، وفي مقدمتها سمات الشخصية ذات الطابع المظلم، وأساليب الفكاهة التي يوظفها الأفراد في تفاعلاتهم اليومية، ومناخ التواصل السائد داخل المنظمة، وتأتي هذه الدراسة لتفحص كيف تتنبأ هذه العوامل مجتمعة بسلوك إخفاء المعرفة في المنظمات، عبر دراسة طولية متعددة الموجات تمنح نتائجها قوة استدلالية أكبر من الدراسات المقطعية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص المتنبئات الشخصية والبين شخصية والتنظيمية لسلوكيات إخفاء المعرفة في المنظمات، وانطلقت من منظور نظري يجمع بين البنى الشخصية والبنى البين شخصية لتفسير هذا السلوك، فتناولت سمات الثالوث المظلم في الشخصية، ولا سيما الميكافيلية والاعتلال النفسي، بوصفها عوامل شخصية مرشحة للتنبؤ بإخفاء المعرفة، وتناولت أسلوب الفكاهة لدى الأفراد عاملًا بين شخصي قد يسهل هذا السلوك أو يكبحه بحسب طبيعته، ومناخ التواصل التنظيمي عاملًا وسيطًا يربط بين الشخصية والسلوك، واعتمدت الدراسة تصميمًا طوليًا من ثلاث موجات زمنية يتيح تتبع العلاقات بين المتغيرات عبر الزمن ويقوي الاستدلال على اتجاه التأثير ويخفف من تحيزات القياس في لحظة واحدة، وشملت صور إخفاء المعرفة التي رصدتها الدراسة الإخفاء المراوغ الذي يقدم فيه الموظف وعودًا أو معلومات غير مكتملة، والتظاهر بالجهل أو عدم المعرفة رغم امتلاك المعلومة المطلوبة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة الطولية ذات الموجات الثلاث أن سمات الثالوث المظلم، وتحديدًا الميكافيلية والاعتلال النفسي، ارتبطت ارتباطًا موجبًا بسلوكيات إخفاء المعرفة، ولا سيما الإخفاء المراوغ والتظاهر بعدم المعرفة، فالموظفون الأعلى في هذه السمات أكثر ميلًا إلى حجب ما يعرفونه عن زملائهم والاحتفاظ بالمعلومة ميزة شخصية، وبينت النتائج أن مناخ التواصل التنظيمي توسط جزئيًا العلاقة بين شخصية الثالوث المظلم وإخفاء المعرفة، بمعنى أن جزءًا من أثر الشخصية يمر عبر إدراك الموظف لمناخ التواصل في منظمته، في حين يبقى جزء آخر مباشرًا، ولم تتوسط أساليب الفكاهة هذه العلاقة بصورة منفردة، غير أن أسلوب الفكاهة العدوانية ومناخ التواصل التنظيمي توسطا العلاقة على نحو متسلسل، إذ يعملان معًا في مسار متتابع يربط بين سمات الشخصية المظلمة وسلوك إخفاء المعرفة، فتتحول الفكاهة العدوانية في مناخات تواصل معينة إلى قناة تنقل أثر الشخصية إلى السلوك
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتقدم هذه الدراسة بفهم العلاقة بين مناخ التواصل التنظيمي وإخفاء المعرفة عبر عدسة نظرية تجمع البنى الشخصية والبين شخصية، وتبرز أن مواجهة إخفاء المعرفة لا تبدأ من لوم الأفراد وحدهم، بل من هندسة مناخ تواصلي صحي يشجع على تبادل المعرفة ويذيب الحواجز النفسية بين العاملين ويجعل طلب المعلومة وتقديمها سلوكًا آمنًا ومكافأ، كما تنبه النتائج إدارات الموارد البشرية إلى وزن السمات الشخصية عند التوظيف وبناء فرق العمل، وإلى خطورة الفكاهة العدوانية بوصفها قناة قد تتحول إلى مسار يغذي إخفاء المعرفة حين تقترن بمناخ تواصل ضعيف، إذ تحمل في ظاهرها مزاحًا وفي باطنها عدوانًا مقنعًا يقوض الثقة، وتفتح الدراسة الباب لبحوث لاحقة تتناول متغيرات وسيطة أخرى وسياقات تنظيمية وثقافية مختلفة لاختبار ثبات هذه المسارات
وتفيد هذه المسارات المتشابكة في توجيه تدخلات عملية دقيقة، فبدل الاكتفاء بحملات التوعية العامة بأهمية مشاركة المعرفة، تستطيع المنظمات تقويم مناخ تواصلها دوريًا لتحديد مواطن الاحتكاك والغموض، وتصميم برامج إرشاد وتوجيه للأفراد ذوي الميول الانفرادية العالية، وضبط أعراف الفكاهة داخل فرق العمل بما يميز المرح الاجتماعي من السخرية الجارحة، كما تسلط الدراسة الضوء على أن أثر الشخصية لا يعمل في فراغ، بل يتشكل بقواعد التفاعل اليومية التي تصنعها الثقافة التنظيمية، ومن ثم فإن تغيير هذه القواعد يظل رافعة عملية أسرع من محاولة تغيير الشخصيات ذاتها وأكثر قبولًا داخل المنظمات
وخلاصة القول إن إخفاء المعرفة سلوك تغذيه شخصيات مظلمة السمات، ويمر عبر مناخ التواصل التنظيمي، وتتوسطه الفكاهة العدوانية في مسار متسلسل، ومن ثم فإن بناء مناخ تواصل منفتح وإدارة واعية للتنوع الشخصي داخل فرق العمل شرطان أساسيان لتحويل المعرفة من ملكية فردية محتجزة إلى مورد جماعي ينهض بأداء المنظمة ويعزز تعلمها المستمر وقدرتها التنافسية








