تحظى ريادة الأعمال الشاملة باهتمام متزايد بوصفها وسيلة واعدة لتحقيق النمو الاقتصادي والتخفيف من عدم المساواة في آن واحد، فهي تفتح أبواب النشاط الريادي أمام فئات أوسع من المجتمع بدلًا من حصرها في قلة ميسورة، غير أن فهم الدوافع التي تمكن الأفراد من الانخراط في ريادة الأعمال الشاملة وكيفية عملها ما زال محدودًا، كما أن التفريق بين نتائج ريادة الأعمال العامة ونتائجها الشاملة يتيح معرفة ما إذا كانت الدوافع ذاتها تخدم الهدفين معًا، أم أن الشمول يتطلب مقومات وسياقات إضافية، وفي هذا السياق سعت هذه الدراسة إلى استكشاف العوامل الدافعية التي تيسر ريادة الأعمال الشاملة وكيف تؤدي دورها، مع فحص الدور المعدل الذي يؤديه السياقان الاقتصادي والريادي لكل دولة في العلاقة بين هذه العوامل ونتائج ريادة الأعمال
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة تحليل الانحدار الهرمي مستخدمة 987 حالة من حالات الدولة والسنة جُمعت من المرصد العالمي لريادة الأعمال، وهو قاعدة بيانات دولية واسعة ترصد النشاط الريادي واتجاهات الأفراد نحوه عبر البلدان، وقد فحصت الدراسة أثر عوامل دافعية عدة في نتائج ريادة الأعمال العامة والشاملة، منها القدرة الريادية لدى الأفراد، والتفاؤل الريادي، والتقدير الاجتماعي لريادة الأعمال، وجاذبية ريادة الأعمال بوصفها مسارًا مهنيًا مرغوبًا، كما اختبرت ما إذا كان السياق الاقتصادي وبيئة ريادة الأعمال في كل دولة يعدلان قوة هذه العلاقات واتجاهها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن القدرة الريادية تؤثر تأثيرًا إيجابيًا في نتائج ريادة الأعمال العامة والشاملة معًا، بينما يسهم التفاؤل الريادي في تيسير النشاط الريادي العام، ولم تجد الدراسة دليلًا على أثر مباشر للتقدير الاجتماعي وجاذبية المسار المهني في نتائج ريادة الأعمال، كما بينت النتائج أن سياقي الدولة الاقتصادي والريادي يعدلان جزئيًا العلاقة بين العوامل الدافعية ونتائج ريادة الأعمال، إذ يشتد الأثر الإيجابي للقدرة الريادية في النشاط الريادي في مراحله المبكرة كلما تحسن السياق الاقتصادي، وتبرز بيئة ريادة الأعمال أثر جاذبية المسار المهني في ذلك النشاط وأثر التقدير الاجتماعي في نتائج ريادة الأعمال الشاملة، ولوحظ أن التصورات والاتجاهات الاجتماعية الإيجابية نحو ريادة الأعمال أكثر وضوحًا في الاقتصادات الناشئة منها في الاقتصادات المتقدمة
ويستحق التفاوت الذي رصدته الدراسة بين أثر القدرة الريادية وأثر بقية الدوافع وقفة تأمل، فالقدرة الريادية، أي امتلاك الأفراد المعارف والمهارات اللازمة لبدء مشروع وإدارته، أثبتت أثرًا متسقًا في النتيجتين العامة والشاملة، بينما لم يصمد أثر التصورات الاجتماعية الإيجابية وحدها مؤثرًا مباشرًا، بما يوحي بأن الحماس الاجتماعي لريادة الأعمال لا يتحول إلى مشروعات فعلية ما لم يقترن بقدرات حقيقية لدى الأفراد، وأن السياقين الاقتصادي والريادي يعملان مضخمًا أو مخففًا لهذه العلاقات لا بديلًا عنها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تعد هذه الدراسة من أوائل الدراسات التي تنظر إلى ريادة الأعمال الشاملة من زاوية دافعية، ومن ثم تقدم دلالات مهمة للأكاديميين وصانعي السياسات الراغبين في تعزيزها، فهي تبين أن بناء القدرات الريادية لدى الأفراد استثمار أساسي يفوق في أثره حملات تحسين الصورة الاجتماعية لريادة الأعمال، وأن السياسات الفعالة ينبغي أن تراعي سياق كل دولة الاقتصادي وبيئة ريادة الأعمال فيها، فما ينجح في اقتصاد ناشئ قد لا يؤتي الأثر ذاته في اقتصاد متقدم، كما تنبه النتائج إلى فرصة سانحة في الاقتصادات الناشئة حيث الاتجاهات الاجتماعية الإيجابية نحو ريادة الأعمال أكثر رسوخًا، بما يجعل الجمع بين بناء القدرات واستثمار هذه الاتجاهات مدخلًا عمليًا لتوسيع قاعدة الرياديين
كما تنبه النتائج مصممي برامج دعم ريادة الأعمال إلى أن برامج بناء القدرات، من تدريب ومهارات أعمال وإرشاد، تحقق عائدًا أرسخ من حملات التوعية العامة، وأن استهداف الفئات الأقل تمثيلًا في النشاط الريادي ببرامج قدرات مصممة لاحتياجاتها هو الطريق الأقصر إلى شمول حقيقي، وتفيد الدراسة الباحثين كذلك بضرورة التمييز المنهجي بين نتائج ريادة الأعمال العامة ونتائجها الشاملة عند بناء النماذج وتفسيرها، فالعوامل التي تفسر النشاط العام قد لا تفسر بالقدر ذاته شموله وعدالته
وخلاصة القول إن ريادة الأعمال الشاملة لا تبنى بالشعارات، بل بقدرات حقيقية لدى الأفراد وبيئات اقتصادية ومؤسسية داعمة، وإن فهم التفاعل بين دوافع الأفراد وسياقات بلدانهم يفتح الطريق أمام سياسات أدق تصميمًا لتحويل ريادة الأعمال إلى أداة للنمو الشامل وتقليص الفوارق








