شهدت الأسواق المالية العالمية خلال جائحة كورونا اضطرابات استثنائية جعلت فهم حساسية الأسهم لعوامل الخطر الدولية مهمة ملحة للمستثمرين وصانعي السياسات، فقد تباينت استجابات الأسواق للمخاطر بحسب حالتها صعودًا أو هبوطًا، وبحسب البلد وعامل الخطر المعني، وقد أبرزت الجائحة سرعة انتقال العدوى المالية بين الأسواق وترابطها في أوقات الشدة، حتى غدت دراسة هذه الروابط عند أطراف التوزيع لا عند متوسطاته ضرورة لفهم المخاطر الكلية التي تهدد الاستقرار المالي، وفي هذا السياق فحصت هذه الدراسة كيفية استجابة أسواق الأسهم في سبع دول تضررت بشدة من الأزمة الصحية لتقلبات عوامل الخطر الدولية في ظل ظروف سوقية مختلفة خلال الجائحة، مستخدمة نموذجًا موسعًا لعوامل الخطر يقدر بأسلوب الانحدار الكمي الذي يتيح رصد العلاقات عند مختلف مستويات عوائد السوق
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد الحساسية المختلفة لمصادر الخطر تبعًا لحالة السوق الصاعدة أو الهابطة، ولتحقيق ذلك جمعت بيانات سبع دول من أكثر الدول تضررًا من الأزمة الصحية خلال المدة من يناير 2020 إلى ديسمبر 2021، وقدرت نموذجًا موسعًا لعوامل الخطر باستخدام منهجية الانحدار الكمي، بما يسمح بفحص العلاقة بين عوائد الأسواق وعوامل الخطر الدولية عند الشرائح الدنيا والوسطى والعليا لتوزيع العوائد، بدلًا من الاكتفاء بمتوسط العلاقة الذي قد يخفي تباينات جوهرية بين أوقات الرواج وأوقات الانكماش، وتغطي عوامل الخطر الدولية موضع الفحص مصادر متعددة للصدمات العالمية، بما يتيح مقارنة أوزانها النسبية في تفسير عوائد كل سوق عبر الحالات المختلفة
ثانيًا: أبرز النتائج
أشارت النتائج إلى قدرة تفسيرية أعلى للنموذج عند الشرائح الطرفية المتطرفة من توزيع العوائد، كاشفة بذلك عن تباينات ذات دلالة في حساسيات الأسواق لعوامل الخطر، ووجدت الدراسة أن هذه الحساسيات ليست ثابتة، بل تتوقف على ظروف السوق السائدة صعودًا أو هبوطًا، وعلى البلد المعني، وعلى عامل الخطر بعينه، فالعامل ذاته قد يؤثر في سوق ما بقوة في أوقات الهبوط بينما يضعف أثره في أوقات الصعود، وقد يختلف أثره من دولة إلى أخرى بحسب بنية أسواقها ودرجة انكشافها على الاقتصاد العالمي
وتضيف الدراسة إلى أدبيات المخاطر المالية ببيانها أن النماذج التقليدية التي تقدر حساسية موحدة لعوامل الخطر عبر جميع أحوال السوق تخفي تباينات جوهرية، فالعلاقات التي تبدو ضعيفة عند متوسط التوزيع قد تشتد بصورة لافتة عند أطرافه، حيث يقع المستثمرون تحت ضغط الخسائر الكبيرة أو يندفعون وراء المكاسب السريعة، كما أن اختلاف الحساسيات بين الدول السبع يعكس اختلاف بنى أسواقها وسياساتها وقدرتها على امتصاص الصدمات الخارجية خلال الأزمة الصحية العالمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة لإدارة المحافظ الاستثمارية وإدارة المخاطر في أوقات الأزمات، فهي تنبه المستثمرين إلى أن تقدير المخاطر بمتوسطات ثابتة قد يكون مضللًا حين تتغير حساسية الأصول بتغير حالة السوق، وأن التحوط الفعال يستدعي مراعاة الشرائح الطرفية التي تشتد فيها الروابط بين الأسواق وعوامل الخطر، كما تفيد النتائج صانعي السياسات والمنظمين في فهم قنوات انتقال الصدمات الدولية إلى الأسواق المحلية خلال الأزمات الصحية والمالية، بما يعينهم على تصميم استجابات أسرع وأكثر دقة لحماية الاستقرار المالي، كما تساعد النتائج على فهم أعمق لحدود التنويع الدولي للمحافظ في الأزمات، فحين تتشابه الحساسيات عند الشرائح الدنيا تضيق منافع التنويع في الأوقات التي يشتد فيها الاحتياج إليها
وعلى مستوى التطبيق، تعين هذه النتائج مديري المخاطر على بناء نماذج إنذار مبكر ترصد تغير الحساسيات مع تغير حالة السوق بدلًا من افتراض ثباتها، كما تعين البنوك المركزية والجهات الرقابية على اختبار متانة مؤسساتها المالية أمام سيناريوهات طرفية لا أمام متوسطات متوقعة فحسب، فالأزمات بطبيعتها أحداث طرفية، وإدارتها بأدوات المتوسط تجعل الاستعداد لها ناقصًا، ومن ثم تدعو الدراسة إلى اعتماد مقاربات قياسية تراعي طرفي التوزيع في تقويم المخاطر المالية عمومًا
وخلاصة القول إن علاقة الأسواق المالية بعوامل الخطر الدولية ليست علاقة جامدة، بل علاقة مرنة تتشكل بحالة السوق والسياق الوطني وطبيعة الخطر، وإن إدراك هذا التباين شرط لفهم سلوك الأسواق في الأزمات وإدارتها إدارة رشيدة، وتدعو الدراسة إلى توظيف أدوات قياسية مرنة مثل الانحدار الكمي في دراسات المخاطر المستقبلية








