أدى إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام ألفين وثلاثة عشر، مقرونًا بتنامي النفوذ الدولي للصين، إلى إثارة اهتمام عالمي متصاعد بتعلم اللغة الصينية لغة ثانية، غير أن الدراسات الحديثة تكشف عن مشكلات متعددة تتعلق بتكيف الطلاب الدوليين وتوافقهم في سياق الدراسة الصيني المميز، كما أن خصوصية اللغة الصينية من حيث نظامها الكتابي القائم على الرموز التصويرية ونغماتها المعجمية تفرض تحديات كبيرة على المتعلمين من خلفيات لغوية متنوعة، ومن هنا تكتسب استكشافات الخبرات الوجدانية لمتعلمي الصينية لغة ثانية والعوامل المؤثرة فيها أهمية بالغة، لأن الوجدان عنصر فاعل في رحلة تعلم أي لغة، إذ قد يدفع المتعلم إلى التقدم بحماس أو يثبط عزيمته ويعيق مساره، وهو ما تسعى هذه الدراسة إلى تناوله بالمنهج المختلط
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص المشاعر الإيجابية لدى متعلمي اللغة الصينية لغة ثانية، والمتمثلة في الاستمتاع والفخر، ومشاعرهم السلبية المتمثلة في القلق والخجل والملل، والكشف عن الآثار التنبؤية للعوامل الداخلية المرتبطة بالمتعلم، وتشمل اتجاهاته نحو مجتمع اللغة الثانية واهتمامه الثقافي، وللعامل الخارجي المرتبط بالمتعلم والمتمثل في السياق التربوي، وقد اعتمدت الدراسة المنهج المختلط إذ جُمعت البيانات من مئتين وواحد وثلاثين طالبًا دوليًا في إحدى الجامعات الصينية باستخدام الاستبانة والمقابلات شبه المنظمة، بما أتاح الجمع بين القياس الكمي لمستويات المشاعر وقوة العوامل التنبؤية وبين الفهم النوعي المعمق لتصورات المتعلمين الفردية وخبراتهم الذاتية في تعلم اللغة والثقافة الصينيتين
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن المشاركين يخبرون مستويات من المشاعر الإيجابية أعلى من مستويات المشاعر السلبية أثناء تعلمهم اللغة الصينية، وهو مؤشر مشجع على أن خبرة التعلم في هذا السياق تميل عمومًا إلى الإيجابية رغم ما يكتنفها من تحديات لغوية وثقافية، كما بيّنت النتائج أن العوامل الثلاثة، وهي الاتجاهات نحو مجتمع اللغة الثانية والاهتمام الثقافي والسياق التربوي، تستطيع التنبؤ بمشاعر المتعلمين بدرجات متفاوتة، فلكل عامل وزنه النسبي في تشكيل الاستمتاع والفخر أو القلق والخجل والملل، وأظهرت النتائج كذلك أن قوة هذه العوامل التنبؤية واتجاهها يختلفان عن التصورات الفردية التي يحملها المتعلمون أنفسهم عن مصادر مشاعرهم، بما يشير إلى أن الخبرة الوجدانية في تعلم اللغة أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في عامل واحد مهيمن، وأن تفاعل العوامل الداخلية والخارجية هو ما يصنع المشهد الوجداني الكامل للمتعلم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات تطبيقية مهمة لمعلمي اللغة الصينية لغة ثانية ومصممي برامجها، إذ تعمق الفهم بالخبرات الوجدانية للمتعلمين وتقدم رؤى عملية تساعد على بناء بيئة تعليمية داعمة تعزز المشاعر الإيجابية كالاستمتاع والفخر وتخفف المشاعر السلبية كالقلق والخجل والملل في رحلة التعلم، وذلك عبر الاهتمام باتجاهات المتعلمين نحو مجتمع اللغة وتنمية اهتمامهم الثقافي وتحسين السياق التربوي داخل الفصول وخارجها، كما تفيد النتائج مؤسسات استقطاب الطلاب الدوليين في تصميم برامج تأهيل لغوي وثقافي تراعي البعد الوجداني للتكيف، فلا تقتصر على الجانب المعرفي والمهاري، وبذلك تسهم الدراسة في تطوير تعليم الصينية للعالم ورفع جودة تجربة متعلميها الدوليين
وتزداد دلالة هذه النتائج في ضوء التحديات البنيوية التي تفرضها اللغة الصينية نفسها على متعلميها، فنظامها الكتابي القائم على الرموز التصويرية يختلف جذريًا عن الأنظمة الأبجدية التي ينتمي إليها معظم المتعلمين الدوليين، ونغماتها المعجمية تجعل النطق الصحيح رهينًا بتمييز سمعي دقيق، وهما عاملان قد يولدان القلق والخجل لدى المبتدئين خاصة، غير أن غلبة المشاعر الإيجابية في النتائج تشير إلى أن الدوافع الثقافية والاتجاهات الإيجابية نحو مجتمع اللغة قادرة على موازنة هذه الصعوبات، ومن هنا توصي الدراسة ضمنيًا بأن تستثمر برامج تعليم الصينية هذا الرصيد الوجداني الإيجابي عبر أنشطة ثقافية وتواصلية حقيقية مع الناطقين باللغة، وأن تراقب في الوقت ذاته مؤشرات القلق والملل مبكرًا لدى المتعلمين الأكثر تعرضًا لها كي لا تتحول إلى عائق مزمن في مسار تعلمهم
وخلاصة القول إن مشاعر متعلمي اللغة الصينية لغة ثانية تميل إلى الإيجابية أكثر منها إلى السلبية، وإن اتجاهاتهم نحو مجتمع اللغة واهتمامهم الثقافي والسياق التربوي المحيط بهم عوامل متنبئة بهذه المشاعر بدرجات متفاوتة، وإن فهم هذا التفاعل الوجداني شرط لبناء بيئات تعلم داعمة، ومن ثم تقدم الدراسة أساسًا علميًا لمعلمي اللغة ومؤسساتها لتجويد الخبرة التعليمية للطلاب الدوليين نفسيًا وتربويًا في آن واحد








