يشير مفهوم المناخ الصفي المفتوح إلى بيئة صفية يستطيع فيها المراهقون مناقشة القضايا السياسية بحرية والتعبير عن آرائهم دون خوف، وهو مفهوم محوري في بحوث التربية المدنية لارتباطه بتنمية المشاركة المدنية لدى الطلاب، غير أن هذا المفهوم رغم انتشاره الواسع يعاني من غموض في تحديده وقياسه، إذ تختلف الدراسات التجريبية في كيفية تصوره وتشغيله إجرائيًا، وتستند كثير من هذه الدراسات إلى بيانات تقييمين دوليين كبيرين هما دراسة التربية المدنية ودراسة التربية المدنية والمواطنة الدولية، ومع ذلك لم يتشكل فهم موحد للمفهوم يسمح بتراكم النتائج ومقارنتها بثقة، وتأتي هذه الدراسة لتراجع بصورة نقدية كيفية تصور المفهوم وتشغيله في الأعمال التجريبية القائمة، وتشخص مصادر الاختلاف وآثارها في النتائج
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية تصور مفهوم المناخ الصفي المفتوح وتشغيله إجرائيًا في الأعمال التجريبية القائمة، وذلك عبر مراجعة خمس وأربعين مقالة اعتمدت على تحليل البيانات الثانوية من دراستي التربية المدنية والتربية المدنية والمواطنة الدولية، وهما التقييمان الدوليان الكبيران الرئيسان في هذا المجال، وركزت المراجعة على تتبع تعريفات المفهوم في الدراسات وطرق تحويله إلى متغيرات قابلة للقياس والتحليل، وعلى الأساليب الإحصائية التي وظفها الباحثون تبعًا لتصوراتهم المختلفة، وبذلك جمعت الدراسة بين التحليل المفاهيمي والتحليل المنهجي، فلم تكتف برصد الاختلافات السطحية في التسميات، بل تعقبت جذورها النظرية ونتائجها الإحصائية، وأعادت بناء الصورة الكلية لكيفية تعامل حقل كامل مع مفهوم واحد عبر عقود من البحث الدولي واسع النطاق
ثانيًا: أبرز النتائج
حددت المراجعة عدم اتساق واضح في كيفية تعريف الدراسات لمفهوم المناخ الصفي المفتوح وتحليله، وينبع هذا عدم الاتساق من اختلاف تفسيرات طبيعة المفهوم ذاته، فبعض الدراسات يعامله بوصفه مفهومًا فرديًا يعكس تصورات الطلاب المميزة وتجاربهم الشخصية داخل الصف، وبعضها الآخر يعامله بوصفه مفهومًا مناخيًا يمثل خبرة صفية جماعية مشتركة بين طلاب الصف الواحد، وبسبب هذا التباين في التصور وظف الباحثون مناهج تشغيل مختلفة، يتضمن كل منها أساليب إحصائية متميزة عن غيرها، فأدى ذلك إلى نتائج متباينة من دراسة إلى أخرى، وأعاق تطوير فهم موحد للمفهوم، إذ لم يعد واضحًا ما إذا كانت الاختلافات في النتائج تعود إلى واقع المناخ الصفي ذاته أم إلى اختلاف أدوات التصور والقياس والتحليل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد الدراسة ضرورة وجود تصور واضح ومتسق لمفهوم المناخ الصفي المفتوح في الأعمال المستقبلية، وتناشد الباحثين أن يتداولوا بعناية حول طبيعة المفهوم قبل الشروع في قياسه، وأن ينتهجوا تشغيلًا إجرائيًا سليمًا يفهم المناخ الصفي فهمًا ملائمًا ويعبر عنه تعبيرًا دقيقًا، فعلى الباحث أن يقرر صراحة ما إذا كان يدرس تصورات فردية أم مناخًا جماعيًا، وأن يبني اختياراته الإحصائية على هذا القرار بصورة مبررة ومعلنة، وتفيد هذه التوصيات القائمين على التقييمات الدولية الكبيرة في تطوير أدوات القياس وتوثيقها، وتفيد الباحثين الثانويين الذين يعيدون تحليل بيانات تلك التقييمات في تجنب خلط مستويات التحليل، وبذلك تسهم الدراسة في رفع جودة بحوث التربية المدنية وتراكمها، وتمنح الممارسين التربويين حذرًا منهجيًا عند قراءة نتائج الدراسات حول المناخ الصفي وتوظيفها في تطوير بيئات صفية منفتحة
وينبغي ألا يفهم هذا التشخيص بوصفه نقدًا لأعمال بعينها، بل بوصفه دعوة لإعادة ضبط بوصلة الحقل كله، فالتقييمان الدوليان اللذان اعتمدت عليهما المقالات المراجعة يوفران بيانات غنية واسعة الانتشار، لكن غنى البيانات لا يعوض عن غموض المفهوم، فحين يقاس المناخ الصفي المفتوح تارة بانطباعات الأفراد وتارة بمتوسطات الجماعات تختلف الأسئلة التي تجيب عنها الدراسات وإن تشابهت عناوينها، وتفقد المقارنات بين الدول والسنوات جزءًا من معناها، ولهذا تشدد الدراسة على أن يبدأ الباحث من التداول الواعي في طبيعة المفهوم، هل هو خاصية للأفراد أم خاصية للبيئات، ثم يختار بناء على ذلك أدوات التشغيل والتحليل المناسبة، فيستعيد الحقل اتساقه وتتراكم نتائجه على أساس مفاهيمي واحد
وخلاصة القول إن مشكلة المناخ الصفي المفتوح ليست مشكلة نقص دراسات، بل مشكلة اختلاف في تصور المفهوم ذاته بين كونه خبرة فردية وكونه مناخًا جماعيًا، وقد شخصت هذه المراجعة هذا الانقسام وآثاره في التشغيل والتحليل والنتائج، ودعت إلى وضوح مفاهيمي يسبق أي قياس جديد، حتى تستعيد بحوث التربية المدنية قدرتها على التراكم والوصول إلى فهم موحد يليق بأهمية المفهوم








