يقوم نظام النقاط الساخنة التابع للاتحاد الأوروبي على إستراتيجيات التأمين المصحوبة بوعود إنسانية خطابية، وفي سبتمبر عام 2021 افتتح الاتحاد أول مركز استقبال ورقابة مغلق في جزيرة ساموس الإيجية ضمن هذا النظام، وتعهد بأن توفر البنية التحتية الأمنية الواسعة، بما فيها مركز للشرطة، السلامة لطالبي اللجوء المقيمين فيه، غير أن هذا التعهد يثير تساؤلات عميقة عن العلاقة الفعلية بين الشرطة والأمن والسلامة والهشاشة في مثل هذه المراكز، وعن الكيفية التي يعاد بها توزيع الحماية والخطر بين إدارة الحدود ومن يعيشون داخل أسوارها، وهو ما تتصدى له هذه الدراسة بمنهجية ميدانية تجمع بين رسم الخرائط المضادة والشهادات الحية للمقيمين والمدافعين عن حقوق الإنسان
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقات بين العمل الشرطي والأمن والسلامة والهشاشة على مقاييس جغرافية مختلفة تشمل نظام الحدود والجزيرة المستضيفة للنقطة الساخنة والمخيم ذاته، واعتمدت الدراسة على الخرائط المضادة النفسية الجغرافية التي رسمها مقيمون قسريون في المركز بلغ عددهم ستة وعشرين مقيمًا، وعلى مقابلات شبه منظمة مع خمسة من المدافعين عن حقوق الإنسان، بما أتاح التقاط التجربة المعيشة للسلامة والخطر من منظور من يخضعون للنظام الأمني لا من منظور من يديرونه فقط، وتحليل الكيفية التي تتفاعل بها إجراءات التأمين مع هشاشة طالبي اللجوء عبر المستويات المكانية المتداخلة من الحدود الخارجية إلى داخل المركز المغلق
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الخرائط المضادة أن مركز الاستقبال والرقابة المغلق يجعل طالبي اللجوء أكثر هشاشة وضعفًا، إذ توضع سلامتهم في مواجهة أمن الحدود في معادلة صفرية يربح فيها أحدهما على حساب الآخر، ودلت شهادات المقيمين على وقائع عنف شرطي وعنصرية تشير إلى أن قصدية الإيذاء تبلغ أبعادًا تتجاوز ثنائية السلامة والأمن ذاتها، لتصل إلى مستوى يمس كرامة المقيمين وحقهم في الأمان الجسدي والنفسي داخل مكان يفترض أن يكون مأوى آمنًا، وبينت النتائج أن البنية الأمنية الواسعة التي قدمت بوصفها ضمانة للسلامة تعمل في التجربة الفعلية بوصفها مصدرًا إضافيًا للخوف والانكشاف، وأن الفجوة واسعة بين الخطاب الإنساني المصاحب للنظام والممارسة اليومية داخل المركز، وتوضح النتائج أن تجربة السلامة داخل المركز تتشكل عبر مستويات مكانية متداخلة، فعلى مستوى نظام الحدود يجد المقيمون أنفسهم موضوعًا لسياسات أوروبية أوسع لإدارة الهجرة، وعلى مستوى الجزيرة يتعايش المركز المغلق مع مجتمع محلي صغير يشهد حضورًا أمنيًا مكثفًا، وعلى مستوى المخيم ذاته تتحكم الحراسات والأسوار ونقاط التفتيش في تفاصيل الحياة اليومية من الدخول والخروج إلى تلقي الخدمات، وفي كل مستوى من هذه المستويات يعاد إنتاج شعور المقيمين بالانكشاف وعدم الأمان رغم أن الخطاب الرسمي يقدم هذا التراكم الأمني ذاته بوصفه بنية للحماية والرعاية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعو الدراسة في ضوء هذه النتائج إلى التأمل في الإرث الاستعماري لعمل الشرطة على الحدود وضرورة إنهاء استعماريته، وترى أن فهم ما يجري في مراكز الاستقبال المغلقة لا يكتمل دون قراءة نقدية للعلاقة بين التأمين والهشاشة، إذ حين تصبح سلامة طالبي اللجوء عملة تفاوض في مقابل أمن الحدود يفقد مفهوم الحماية مضمونه الإنساني، كما تؤكد الدراسة قيمة المنظور الميداني القائم على تجربة المقيمين أنفسهم في كشف ما تخفيه المؤشرات الرسمية، وتفيد نتائجها صانعي سياسات اللجوء والمنظمات الحقوقية في الدعوة إلى نماذج استقبال تصون السلامة والكرامة معًا بدل التضحية بإحداهما باسم الأخرى، وتشير الدراسة إلى أن قيمة الشهادات والخرائط المضادة لا تقتصر على توثيق الانتهاكات، بل تمتد إلى إعادة تعريف مفاهيم الأمن والسلامة ذاتها من منظور من يخضعون لها، فحين يرسم المقيمون أماكن الخوف والأمان بأيديهم تنكشف خريطة مغايرة تمامًا للخريطة الرسمية التي تقيس الأمن بعدد الكاميرات وأفراد الشرطة، ويصبح واضحًا أن السلامة تجربة معيشة تتعلق بالكرامة والخصوصية وغياب التهديد اليومي، وأن أي تقويم جاد لنظام الاستقبال الأوروبي ينبغي أن ينطلق من هذه التجربة لا من مؤشرات البنية التحتية الأمنية وحدها
وخلاصة القول إن تجربة أول مركز استقبال ورقابة مغلق في ساموس تبين أن التأمين المكثف لا ينتج السلامة بالضرورة، بل قد يعيد إنتاج الهشاشة بوجوه جديدة حين يقدم أمن الحدود على سلامة البشر المقيمين داخل المركز، فقد كشفت شهادات المقيمين وخرائطهم المضادة فجوة عميقة بين الوعود الإنسانية والممارسة الفعلية المشوبة بعنف شرطي وعنصرية، ومن هنا تدعو الدراسة إلى مراجعة جذرية لمنطق النقاط الساخنة ذاته، وإلى قراءة نقدية لإرث الشرطة الحدودية الاستعماري، بما يعيد الاعتبار لسلامة طالبي اللجوء وكرامتهم بوصفهما غاية لا وسيلة








