تعهدت الدول الأطراف في اتفاقية التنوع البيولوجي بموجب إطار كونمينغ ومونتريال العالمي للتنوع البيولوجي المتفق عليه عام 2022 بأن تضمن بحلول عام 2030 حفظ ثلاثين في المئة من المناطق البرية والمياه الداخلية والساحلية والبحرية وإدارتها بفاعلية وإنصاف عبر المناطق المحمية وغيرها من تدابير الحفظ الفعالة القائمة على المناطق، وهو طموح ثقيل في ضوء إحصاءات التغطية العالمية والمحلية الراهنة، فلا تستطيع الدول تحمل خسارة المناطق القائمة أصلًا عبر خفض مستوى حماية المناطق المحمية أو تقليص مساحتها أو إلغاء صفتها القانونية، وهي الممارسات التي تحظى باهتمام دولي متزايد ومطالبات باتخاذ تدابير لمنعها وتتبع انتشارها، وفي جنوب أفريقيا تبدو الدراسات حول هذه الممارسات قليلة رغم حضورها الفعلي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل أحدث تدخل قضائي في هذا الملف بجنوب أفريقيا، وهو قضية شبكة مجتمع العدالة التعدينية والبيئية ضد الوزير الإقليمي للزراعة والتنمية الريفية والأراضي والشؤون البيئية الصادرة عام 2024، وتناولت بالتحليل النقدي مجموعة أسباب المراجعة التي احتج بها المدعون لإلغاء قرار الوزير المختص بإخراج عقارات واقعة داخل بيئة مابولا المحمية من حدودها تمهيدًا لإقامة منجم فحم عليها، واعتمدت الدراسة المنهج التحليلي القانوني في تتبع أسباب المراجعة التي نظرتها المحكمة وكيفية تعاملها معها، وتقويم ما شاب قرارها من مواطن ضعف ظاهرة في معظم هذه الأسباب، وربط ذلك بالسياق الأوسع لجهود إقامة المنجم داخل المنطقة المحمية وما سبقه من تدخلات قضائية متكررة لإيقاف ممارسات خفض الحماية وتقليصها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الدراسة أن قرار المحكمة في القضية محل التحليل تضمن مواطن ضعف ظاهرة تتعلق بمعظم أسباب المراجعة التي أثارها المدعون للطعن في قرار الوزير بإخراج العقارات من حدود بيئة مابولا المحمية، وأن هذه المواطن تثير القلق بشأن قوة الحماية القضائية المتاحة للمناطق المحمية حين تتعرض لمحاولات خفض مستوى حمايتها أو تقليص مساحتها لصالح أنشطة تعدينية، كما بينت أن ندرة الدراسات حول هذه الممارسات في جنوب أفريقيا لا تعني غيابها من الواقع، فمحاولات إقامة منجم الفحم في بيئة مابولا المحمية مثال عملي على أحداث من هذا النوع استدعت تدخل القضاء مرات متكررة، وتشير الدراسة إلى أن أهمية هذه القضية تتجاوز وقائعها المباشرة إلى ما تمثله من اختبار لجدية الالتزامات البيئية الدولية على المستوى المحلي، فإطار كونمينغ ومونتريال يفترض أن تتحرك الدول نحو توسيع التغطية المحمية لا تقليصها، وكل حدث من أحداث خفض الحماية يخصم من رصيد دولة ملتزمة بهدف الثلاثين في المئة، كما أن تكرار اللجوء إلى القضاء لإيقاف هذه الأحداث يكشف أن الآليات الإدارية القائمة لا توفر حماية ذاتية كافية للمناطق المحمية، وأن قرارات إخراج الأراضي منها تتخذ أحيانًا دون مراعاة كافية لمتطلبات القانون البيئي وإجراءاته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقترح الدراسة إصلاحات تشريعية بسيطة على قانون الإدارة البيئية الوطنية للمناطق المحمية رقم 57 لسنة 2003، بما يحسن تنظيم أحداث خفض حماية المناطق المحمية وتقليصها وإلغاء صفتها القانونية مستقبلًا في جنوب أفريقيا، وبما قد يغني عن ضرورة إقامة نزاعات من هذا النوع أمام القضاء أصلًا، وترى أن تقوية الإطار التشريعي الوقائي أجدى من الاكتفاء بالتدخلات القضائية اللاحقة، لأن حماية المناطق المحمية ترتبط بالتزامات دولية طموحة تتطلب صون التغطية القائمة قبل التفكير في توسيعها، وأن وضوح القواعد المنظمة لأي مساس بحدود المناطق المحمية أو مستوى حمايتها يحد من النزاعات ويعزز استقرار منظومة الحفظ البيئي، وترى الدراسة أن الإصلاحات التشريعية المقترحة، على بساطتها، يمكن أن تغير طبيعة التعامل مع أحداث خفض الحماية مستقبلًا، عبر تشديد الشروط الإجرائية والموضوعية لأي قرار يمس حدود منطقة محمية أو مستوى حمايتها، وتعزيز الشفافية والمساءلة في هذا النوع من القرارات، وبذلك يتحول دور القضاء من إطفاء النزاعات المتكررة بعد وقوع الضرر المحتمل إلى حارس أخير ضمن منظومة وقائية متكاملة، وتصبح حماية المناطق المحمية قاعدة مستقرة لا استثناء تفاوضيًا يخضع لموازين المشروعات الاقتصادية المتنافسة على الأرض
وخلاصة القول إن قضية بيئة مابولا المحمية تكشف أن معركة حماية المناطق المحمية في جنوب أفريقيا لا تدور حول إعلان مناطق جديدة فحسب، بل حول الدفاع عن المناطق القائمة ضد محاولات إخراج أجزاء منها لصالح التعدين، وأن القضاء يؤدي دورًا محوريًا في هذه المعركة وإن شاب أداءه أحيانًا ضعف يستدعي المعالجة، ومن هنا تأتي أهمية الإصلاحات التشريعية المقترحة التي تنقل الحماية من منطق التدخل القضائي المتكرر إلى منطق الوقاية القانونية الواضحة، بما يصون التزامات البلاد الدولية ويحفظ إرثها الطبيعي للأجيال المقبلة








