تتجه دول ساحلية كثيرة نحو بناء اقتصاد أزرق مستدام يوازن بين استثمار الموارد المائية وحمايتها، وفي ناميبيا تستند خطة الاقتصاد الأزرق المستدام إلى إدراك متزايد بأن نهج التنظيم القطاعي المنفرد للنظام البيئي المائي يفتقر إلى التكامل والتنسيق بين القطاعات المختلفة، فجاءت أجندة الاقتصاد الأزرق أداة سياساتية لتوحيد النشاط الاقتصادي وتنظيمه بما يعود بالنفع على المواطنين جميعًا، غير أن القوانين القائمة المنظمة لهذا الاقتصاد، ولا سيما قانون الموارد البحرية رقم 27 لسنة 2000، تستبعد من نطاقها الاعتراف بالمجتمعات الساحلية المهمشة وقطاع المصايد صغيرة النطاق، وهو استبعاد يهدد بتقويض أهداف الإدماج الاجتماعي والتوزيع العادل للموارد والمنافع
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث آفاق الاستفادة الكاملة من النظم البيئية المائية في ناميبيا وتحدياتها في ضوء أجندة التنمية الوطنية، واعتمدت منظورًا اجتماعيًا قانونيًا في تحليل السياسات والقوانين المنظمة للاقتصاد الأزرق، فدرست طبيعة أجندة الاقتصاد الأزرق بوصفها إطارًا للإدارة المستدامة المتكاملة للنظام البيئي المائي يستهدف الإدماج الاجتماعي والتوزيع العادل للموارد الطبيعية وتحقيق الرخاء للمنفعة العامة مع صون الصحة البيئية والاستدامة، وفحصت مدى اعتراف القوانين النافذة، وفي مقدمتها قانون الموارد البحرية، بالمجتمعات الساحلية المهمشة وقطاع المصايد صغيرة النطاق وحقوقهما في الوصول إلى الموارد البحرية والانتفاع بها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الدراسة أن الإطار التشريعي القائم في ناميبيا، رغم سعيه إلى تنظيم الاقتصاد الأزرق وضمان تحقيق أهداف السياسات العامة، يستبعد من نطاقه الاعتراف بالمجتمعات الساحلية المهمشة وقطاع المصايد صغيرة النطاق، وأن هذا الاستبعاد من شأنه أن يقوض الحاجة إلى تعزيز الإدماج الاجتماعي والمساواة في تقاسم المنافع والوصول إلى الموارد البحرية، كما بينت أن التنظيم القطاعي المنفرد للأنشطة المائية يفتقر إلى أوجه التكامل والتنسيق الضرورية لإدارة النظام البيئي المائي إدارة متكاملة، وأن الفئات الأقرب إلى الموارد والأكثر اعتمادًا عليها في معيشتها هي الأقل حضورًا في النصوص القانونية والسياسات المنظمة لاستغلالها، وتبرز خطورة هذا الاستبعاد إذا لوحظ أن المجتمعات الساحلية المهمشة والمصايد صغيرة النطاق ليست فئات هامشية في الواقع الاقتصادي والاجتماعي الساحلي، بل هي الأقرب إلى الموارد البحرية والأكثر اعتمادًا عليها في الغذاء والدخل والهوية الثقافية، ومن ثم فإن تجاهل القانون لها ينعكس في حرمانها من الحماية القانونية عند التنافس على الموارد مع الأنشطة الأكبر حجمًا، ويضعف قدرتها على المشاركة في صنع القرارات المتصلة بمستقبل المناطق الساحلية التي تعيش فيها، وهو ما يجعل الإقصاء القانوني مدخلًا لإقصاء اقتصادي واجتماعي أوسع يصعب تداركه لاحقًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحاجج الدراسة من أجل اعتماد إستراتيجية متكاملة وشاملة لتحقيق اقتصاد أزرق مستدام يكون شاملًا ومفيدًا لجميع الناميبيين، بمن فيهم المجتمعات الساحلية المهمشة والعاملون في المصايد صغيرة النطاق، وترى أن تحقيق هذا الهدف يقتضي مراجعة القوانين المنظمة للموارد البحرية بما يضمن الاعتراف الصريح بهذه الفئات وحقوقها، وتجاوز التنظيم القطاعي المجزأ نحو إدارة متكاملة تنسق بين الأنشطة الاقتصادية المختلفة في النظام البيئي المائي، بما يحقق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية، ويجعل من الاقتصاد الأزرق رافعة تنموية حقيقية لا مصدرًا لتكريس التهميش والإقصاء، وتخلص الدراسة إلى أن إعادة الاعتبار للمجتمعات الساحلية في الإطار القانوني ليست إجراء شكليًا، بل شرطًا لتحقيق وعد الاقتصاد الأزرق ذاته في الإدماج والرخاء المشترك، فالسياسات التي تصمم لإدارة الموارد المائية لصالح المواطنين جميعًا تفقد مصداقيتها إذا ظلت فئات كاملة خارج نطاق الاعتراف القانوني، ومن هنا ينبغي أن يرافق تنظيم الأنشطة الاقتصادية البحرية إصلاح تشريعي مواز يضمن تمثيل الفئات المهمشة ومصالحها، ويوفر لها قنوات للمشاركة في حوكمة الموارد التي تقوم عليها حياتها ومعيشتها اليومية، فتوزيع المنافع بعدالة بين المواطنين وإشراك الفئات الأقرب إلى الموارد في إدارتها يجعلان من النمو الأزرق مسارًا للرخاء العام المشترك، لا مصدرًا لمكاسب محدودة تتحقق على حساب البيئة وصحة النظام المائي وحقوق الأجيال المقبلة في موارد بلادهم الطبيعية
وخلاصة القول إن بناء اقتصاد أزرق مستدام في ناميبيا يظل رهينًا بمدى قدرة الإطار القانوني والسياساتي على إدماج المجتمعات الساحلية المهمشة وقطاع المصايد صغيرة النطاق في منظومة الاعتراف والحقوق والمنافع، فالاستدامة البيئية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية في توزيع الموارد، والإدارة المتكاملة للنظام البيئي المائي لا تكتمل دون مشاركة الفئات التي تعيش على هذه الموارد وتقتات منها، ومن هنا تدعو الدراسة إلى إستراتيجية شاملة تعيد الاعتبار لهذه الفئات وتجعل منافع الاقتصاد الأزرق متاحة للجميع على قدم المساواة








