يمثل الصيد غير القانوني وغير المبلغ عنه وغير المنظم تحديًا متناميًا للدول الساحلية ودول الصيد في المياه البعيدة على حد سواء، وتواجه الصين في هذا السياق إشكالية معقدة تتمثل في ضبط أنشطة سفنها وشركاتها وأطقمها العاملة خارج نطاق ولايتها القضائية، في وقت تسعى فيه إلى ترسيخ صورتها مشاركًا مسؤولًا في حوكمة الصيد العالمية، وقد عدلت الصين عام 2020 لائحتها الإدارية لمصايد المياه البعيدة لمواجهة تنامي حالات الاشتباه في الصيد غير القانوني، فجاءت هذه الدراسة لتقويم مدى فاعلية اللائحة المعدلة في معالجة المشكلة والحد منها، ولتقديم دروس قابلة للاستفادة لدى الدول الأخرى التي تواجه تحديات مشابهة في أساطيلها البعيدة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم فاعلية اللائحة الإدارية الصينية لمصايد المياه البعيدة الصادرة عام 2020 في التصدي للصيد غير القانوني وغير المبلغ عنه وغير المنظم الذي تمارسه السفن الصينية خارج ولايتها، واعتمدت الدراسة منهج التحليل القانوني والسياساتي لنصوص اللائحة وأحكامها، ففحصت ما أقرته من مسؤوليات حكومية في ضبط أعداد السفن وضمان دقة الإبلاغ عن الأنشطة والمصيد، وما تبنته من تدابير للوفاء بمسؤوليات الصين في إطار المنظمات الإقليمية لإدارة مصايد الأسماك، وما استحدثته من قواعد لتوسيع دائرة المشغلين الخاضعين للعقوبات وتحديد الأنشطة التي تستوجب الجزاء، فضلًا عن نظام التقويم الذي أنشأته لمتابعة الامتثال للالتزامات المنصوص عليها في المعاهدات الدولية والقوانين واللوائح الصينية
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى أن اللائحة المعدلة تمثل تقدمًا تدريجيًا في جهود الصين الرامية إلى القضاء على الصيد غير القانوني، فقد شددت مسؤوليات الحكومة في تنظيم أعداد السفن وضمان دقة الإبلاغ، واتخذت تدابير للوفاء بمسؤوليات الدولة بموجب المنظمات الإقليمية لإدارة مصايد الأسماك، ووسعت قائمة المشغلين المعرضين للعقوبات، وحددت بدقة أكبر الأنشطة التي تستلزم فرض الجزاءات، وأنشأت نظام تقويم لرصد الامتثال للالتزامات الدولية والوطنية في مكافحة الصيد غير المشروع، غير أن الدراسة رصدت في المقابل أوجه قصور قد تحد من فاعلية اللائحة، في مقدمتها غياب تحديد واضح لمسؤوليات الأجهزة الإدارية، وعدم كفاية العقوبات المقررة لأنشطة الصيد غير القانوني الخطيرة، وضعف التوافق مع المعايير الدولية للصيد المستدام، ويلاحظ أن نقاط القوة التي سجلتها الدراسة للائحة المعدلة تتصل جميعها بتشديد منظومة الرقابة والمساءلة، فتحديد الأنشطة المستوجبة للعقاب يقلل من مساحات التقدير ويمنح المشغلين وضوحًا أكبر بشأن التزاماتهم، وإنشاء نظام لتقويم الامتثال يحول المكافحة من ردود فعل متقطعة إلى متابعة مؤسسية مستمرة لمدى التزام السفن والشركات بالقواعد الوطنية والدولية، وهذه العناصر مجتمعة تجعل اللائحة خطوة بنائية في اتجاه ضبط أسطول الصيد في المياه البعيدة الذي يصعب تقليديًا إخضاعه للرقابة المباشرة لبعده الجغرافي عن سلطات الدولة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة لصانعي السياسات توصيات محددة لتحسين الجوانب التي ظهر فيها القصور في اللائحة المعدلة، بما يعزز قدرة الصين على ضبط أسطولها للصيد في المياه البعيدة وضمان التزامه بالقواعد الدولية والوطنية، كما تقدم رؤى مفيدة لدول الصيد في المياه البعيدة التي تواجه مشكلات كبيرة في الصيد غير القانوني، إذ تبين أن التقدم في هذا المجال يتحقق تدريجيًا عبر إصلاحات متراكمة تجمع بين وضوح المسؤوليات وكفاية العقوبات وقوة أنظمة الرصد والتقويم، وأن معالجة هذا النوع من الصيد شرط لحماية الموارد السمكية العالمية وضمان استدامتها ولترسيخ مصداقية الدول في منظومة حوكمة المحيطات الدولية، وتشير الدراسة ضمنيًا إلى أن معالجة أوجه القصور المتبقية تتطلب استكمال البناء المؤسسي للائحة، عبر توزيع مسؤوليات واضحة على الأجهزة الإدارية المعنية حتى لا تضيع المساءلة بين الجهات، ورفع مستوى العقوبات بما يتناسب مع خطورة المخالفات الكبرى ويحقق الردع الفعلي للمشغلين المخالفين، وتضييق الفجوة مع المعايير الدولية للصيد المستدام حتى تتوافق الممارسة الصينية مع الالتزامات العالمية، وبذلك يقدم النموذج الصيني لدول الصيد الأخرى خريطة واقعية لإصلاح تدريجي ممكن التحقيق في ملف بالغ التعقيد
وخلاصة القول إن تجربة الصين في تعديل لائحتها الإدارية لمصايد المياه البعيدة عام 2020 تقدم نموذجًا للتقدم التدريجي في مكافحة الصيد غير القانوني وغير المبلغ عنه وغير المنظم، فقد خطت اللائحة خطوات ملموسة في ضبط السفن والإبلاغ وتوسيع المساءلة وإنشاء نظام للتقويم، لكنها ما تزال بحاجة إلى معالجة قصورها في تحديد مسؤوليات الأجهزة الإدارية وتشديد عقوبات المخالفات الخطيرة والتوافق الكامل مع معايير الصيد المستدام، وبذلك تؤكد الدراسة أن القضاء على الصيد غير المشروع مسار طويل يتطلب إصلاحًا تشريعيًا مستمرًا وتعاونًا دوليًا فاعلًا لا مجرد تعديلات منعزلة








