تواجه المنظمات المعاصرة بيئات متغيرة باستمرار تجعل التغيير التنظيمي ضرورة لا خيارًا، غير أن نجاح مبادرات التغيير يتوقف قبل انطلاقها على مدى جاهزية المنظمة وأعضائها لتقبله وتنفيذه، ومن هنا تبرز الحاجة إلى أدوات قياس دقيقة وعلمية لتقدير هذه الجاهزية تقديرًا شموليًا يراعي أبعادها المتعددة ومستوياتها المختلفة، إذ يصعب إدارة ما لا يمكن قياسه، وهو ما يقدمه هذا المقال من خلال دراسة طورت مقياسًا شاملًا للجاهزية للتغيير التنظيمي وتحققته من خصائصه السيكومترية عبر ثلاث مراحل منهجية متكاملة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير مقياس شامل للجاهزية للتغيير التنظيمي والتحقق من صدقه وثباته، عبر إجراء من ثلاث مراحل لتطوير المقاييس، ففي المرحلة الأولى أجريت مراجعة للأدبيات ومقابلات معمقة مع خبراء متخصصين لتأطير المفهوم وبناء نموذجه التصوري، ثم طور تجمع أولي من البنود بلغ مئة وسبعة وعشرين بندًا، وأكد صدق محتواه باستخدام أسلوب دلفي في استطلاع آراء الخبراء وتحكيمهم
وفي المرحلة الثانية أجريت دراسة استطلاعية على مئتين وأربعة وعشرين مستجيبًا، وطبقت النمذجة بالمعادلات البنائية الاستكشافية واختبارات الثبات، فاختيرت ثمانية وعشرون بندًا ذات خصائص سيكومترية جيدة للمقياس النهائي، أما المرحلة الثالثة فشهدت اختبارًا رئيسًا على ألفين وأربعمئة وعشرة مستجيبين أخضع لاختبارات الصدق والثبات للتحقق النهائي من جودة المقياس واستقرار بنيته
وتعنى الجاهزية للتغيير التنظيمي بالحالة التي تسبق إطلاق التغيير وتشمل اعتقاد أعضاء المنظمة بأن التغيير ضروري ومناسب وقابل للتنفيذ وبأن الإدارة ملتزمة به وقادرة على دعمه، وهي حالة متعددة المستويات تتشكل على مستوى الفرد والجماعة والمنظمة ككل، ومتعددة الأبعاد تمس الجوانب المعرفية والوجدانية والسلوكية، ولهذا السبب تعجز الأدوات المختصرة أحادية البعد عن الإحاطة بها، وتبرز الحاجة إلى مقياس واسع البنود في طور بنائه الأولي يخضع لعمليات تنقية واختصار منهجية عبر مراحل متتابعة من التحكيم والتجريب الميداني والتحقق الإحصائي حتى يستقر على صورته النهائية الصالحة للاستخدام
ثانيًا: أبرز النتائج
أسفرت الدراسة عن مقياس نهائي من ثمانية وعشرين بندًا يتمتع بخصائص سيكومترية جيدة من حيث الصدق والثبات، ويتميز بأنه يعكس الخصائص متعددة المستويات ومتعددة الأبعاد للجاهزية للتغيير التنظيمي، بما يتيح إصدار حكم شمولي على جاهزية المنظمة وتفسيرها تفسيرًا متكاملًا لا يختزلها في بعد واحد أو مستوى إداري بعينه، وهو ما يميزه عن أدوات أحادية البعد قد تغفل جوانب مؤثرة في نجاح التغيير أو فشله
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يمكن توظيف هذا المقياس عمليًا في تنفيذ مبادرات التغيير التنظيمي وفي التدخلات المستقبلية المرتبطة بها، إذ يساعد القادة والمستشارين على تشخيص جاهزية منظماتهم قبل إطلاق التغيير، وتحديد نقاط القوة والضعف التي ينبغي معالجتها، وتصميم تدخلات ملائمة كالتدريب والتواصل الداخلي وبناء الالتزام، بما يقلل مقاومة التغيير ويرفع فرص نجاحه، كما يوفر للباحثين أداة مقننة قابلة للمقارنة عبر الدراسات والقطاعات والثقافات المختلفة، ويفتح الباب أمام دراسات تطبيقية تختبر علاقته بمخرجات التغيير الفعلية على المدى الطويل
ويمر بناء المقاييس الرصينة عادة بمنطق تراكمي يبدأ من التأصيل النظري ومراجعة الأدبيات واستشارة الخبراء لصياغة مجال المفهوم وحدوده، ثم توليد بنود وفيرة تغطي أبعاده المختلفة وتحكيمها لدى الخبراء بأسلوب دلفي الذي يجمع آراءهم في جولات متتابعة حتى يستقر الإجماع على البنود الصالحة، ثم التجريب الاستطلاعي الذي ينقي البنود إحصائيًا بحسب قدرتها التمييزية واتساقها، وأخيرًا التحقق الواسع على عينة كبيرة تؤكد البنية العاملية ومؤشرات الصدق والثبات، وهو المسار الذي التزمته هذه الدراسة خطوة بخطوة حتى اكتملت أداتها
كما يفيد المقياس في المقارنات المرجعية بين المنظمات والإدارات داخل المنظمة الواحدة، إذ يتيح تحديد الوحدات الأقل جاهزية وتوجيه جهود التهيئة إليها قبل تعميم التغيير، ويصلح خط أساس تقاس عليه الجاهزية مجددًا بعد التدخلات لمعرفة أثرها، وبذلك يتحول من أداة وصفية لحظية إلى أداة متابعة وتقويم مرافقة لمسار التغيير بأكمله، وهو توظيف يعظم العائد العملي من بنائه المنهجي الطويل
وخلاصة القول إن نجاح التغيير التنظيمي يبدأ من قياس دقيق للجاهزية له، وقد قدمت هذه الدراسة مقياسًا مطورًا بعناية عبر مراحل متتابعة من الصياغة والتحكيم والتجريب والتحقق الواسع، يجمع بين الشمول متعدد الأبعاد والمستويات وبين الصدق والثبات، ليكون أداة عملية في يد المنظمات وهي تخطط لتغييرها، وأداة علمية في يد الباحثين وهم يفسرون تباين مصائر مبادرات التغيير بين النجاح والتعثر








