أعادت المقررات الضخمة المفتوحة عبر الإنترنت تشكيل خريطة التعليم العالي في العالم، وبرز التعلم المدمج الذي يوظف هذه المقررات نموذجًا واعدًا يجمع بين مرونة التعلم الرقمي ومزايا التعليم الحضوري، غير أن نجاح هذا النموذج على المدى الطويل يتوقف على قبول الطلاب له ونيتهم الاستمرار في استخدامه، وهو ما عنيت هذه الدراسة بفحصه في سياق مؤسسة تعليم عالٍ خاصة في فيتنام، عبر منظور أصحاب المصلحة المتعددين داخل المؤسسة من إداريين ومحاضرين ومطوري مناهج وطلاب، وبما يجمع بين الأدلة الكمية والنوعية في إطار واحد، إذ لم تعد المؤسسات تسأل عن إمكان دمج المقررات المفتوحة في برامجها فحسب، بل عن شروط نجاح هذا الدمج واستمراره، وهو سؤال يتطلب أدلة تجمع بين قياس اتجاهات الطلاب وفهم خبرات القائمين على العملية التعليمية، فالمقررات المفتوحة حين تدخل مؤسسة تعليمية تتحول من منتج تقني خارجي إلى جزء من منظومة تربوية لها ثقافتها وسياساتها وأدوار محددة لكل طرف فيها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العوامل المؤثرة في نية الاستمرار نحو التعلم المدمج القائم على مقررات كورسيرا الضخمة المفتوحة لدى طلاب البكالوريوس، معتمدة نموذج قبول التكنولوجيا ومنهجًا مختلطًا بالتثليث، فقد استخدمت التحليل العاملي التوكيدي ونمذجة المعادلات البنائية بواسطة برنامج أموس في نسخته الرابعة والعشرين لفحص ثبات البيانات وصدقها المأخوذة من 637 طالبًا، كما أجرت ترميزًا يدويًا وتحليلًا موضوعيًا للبيانات النوعية المجمعة من ثلاثين مشاركًا في مقابلات شملت الإداريين والمحاضرين ومطوري المناهج والطلاب، لاستخراج الموضوعات الرئيسة والفرعية الناشئة عن خبراتهم، وبذلك أتاح التصميم المختلط مقارنة ما يقيسه النموذج الإحصائي بما يرويه أصحاب المصلحة من خبرات ومواقف، فجاءت الأدلة النوعية مفسرة للأدلة الكمية وموسعة لدلالاتها في السياق المؤسسي الفيتنامي
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن خاصية المحتوى والتأثير الاجتماعي والمنفعة المدركة عوامل حاسمة تؤثر في نية استمرار طلاب مؤسسة التعليم العالي في استخدام التعلم المدمج القائم على مقررات كورسيرا، إذ لم تكن القرارات متعلقة بالتقنية ذاتها بقدر ما كانت متعلقة بمحتوى المقررات وما يدركه الطلاب من فائدته وما يحيط به من تأثير اجتماعي داعم، وقد أتاحت البيانات النوعية تعميق هذا الفهم عبر إبراز موضوعات ناشئة من وجهات نظر الإداريين والمحاضرين ومطوري المناهج والطلاب أنفسهم، بما يكمل الصورة الكمية ويمنحها سياقًا مؤسسيًا حيًا يفسر لماذا تستمر تجارب وتنقطع أخرى، كما أن اشتراك أصحاب مصلحة متعددين في الصورة نفسها يعزز الثقة في النتائج، إذ لم تعد نية الاستمرار حكمًا يصدر عن الطلاب وحدهم، بل خلاصة تفاعل بين ما يقدمه المحتوى وما تبنيه المؤسسة من دعم ومتابعة حوله، وهو ما يفسر تفاوت تجارب المؤسسات في تبني النموذج ذاته رغم تشابه الإمكانات التقنية المتاحة لها وتقارب خصائص طلابها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة إسهامين بارزين، أولهما إسهام نظري في الأدبيات عبر مقارنة العوامل المؤثرة في قبول الطلاب للتعلم المدمج القائم على المقررات الضخمة المفتوحة من منظور أصحاب المصلحة الحاسمين في مؤسسة التعليم العالي، وثانيهما إسهام تطبيقي يتمثل في آثار عملية لرفع قبول طلاب البكالوريوس لهذا النمط من التعلم على المدى الطويل، إذ توجه النتائج المؤسسات التي تخطط لدمج المقررات الضخمة المفتوحة في التدريس والتعلم إلى الاستثمار في جودة المحتوى وإبراز المنفعة المدركة وبناء بيئة اجتماعية داعمة لضمان استمرار الطلاب، وتتسع فائدة هذه النتائج لتشمل مؤسسات تعليم عالٍ أخرى في سياقات مشابهة تفكر في تبني المقررات المفتوحة، إذ ترسم لها أولويات واضحة عند التهيئة والتنفيذ والمتابعة بدلًا من الانطلاق من افتراضات غير مختبرة
وخلاصة القول إن استمرار الطلاب في التعلم المدمج القائم على المقررات الضخمة المفتوحة قرار يتغذى على المحتوى الجيد والمنفعة المدركة والتأثير الاجتماعي أكثر مما يتغذى على التقنية ذاتها، وقد أثبتت هذه الدراسة بمزجها بين الأدلة الكمية والنوعية أن قبول هذا النمط التعليمي ظاهرة مؤسسية متعددة الأصوات، وأن مؤسسات التعليم العالي التي تصغي لهذه الأصوات وتستثمر في العوامل الحاسمة قادرة على تحويل المقررات المفتوحة من تجربة عابرة إلى مكوّن مستدام في منظومتها التعليمية، كما تدعو الدراسة ضمنيًا إلى أن يُقاس نجاح التعلم المدمج بما يتحقق من استمرارية ورضا لدى الطلاب لا بما يُستكمل من مقررات فحسب، فالاستدامة التعليمية تبدأ من قبول المتعلم وتستمر بدعمه، وذلك هو الدرس الأوسع الذي يمكن أن تستفيده مؤسسات التعليم العالي في مختلف السياقات من التجربة الفيتنامية التي رصدتها هذه الدراسة








