يحتل ميزان الحساب الجاري موقعًا محوريًا في الأداء الاقتصادي للدول، إذ يعكس صافي تعاملاتها مع العالم الخارجي ويؤثر في مسار نموها، وتتناول هذه الدراسة حالة جنوب أفريقيا التي تعاني من عجز في حسابها الجاري، وتسعى إلى تقدير أثر هذا العجز في النمو الاقتصادي خلال فترة شهدت صدمة عالمية كبرى تمثلت في جائحة كورونا، بما أضفاه ذلك من تعقيد على العلاقة بين المتغيرين في الأجلين القصير والطويل، وبما يجعل الحالة نموذجًا لمعاناة الاقتصادات النامية من الاختلالات الخارجية المتزامنة مع الصدمات العالمية
ويمثل عجز الحساب الجاري تحديًا بنيويًا في الاقتصادات النامية لأنه يعكس اعتمادًا على التمويل الخارجي ويعرض النمو لتقلبات الأسواق العالمية، وفي حالة جنوب أفريقيا تداخل هذا التحدي مع تداعيات جائحة عالمية عطلت سلاسل الإمداد وحركة التجارة والسياحة، فازدادت الضغوط على الميزان الخارجي في وقت كانت فيه الحاجة إلى النمو أشد ما تكون لدعم التعافي الاقتصادي والاجتماعي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث أثر ميزان الحساب الجاري في جنوب أفريقيا في نموها الاقتصادي خلال الفترة الممتدة من الربع الأول من عام 2015 حتى الربع الرابع من عام 2022، واعتمدت الدراسة على تقنية الانحدار الذاتي ذي الإبطاءات الموزعة في تقدير العلاقات بين المتغيرات في الأجلين الطويل والقصير، كما أدرجت متغيرات نوعية تمثل جائحة كورونا لفهم أثرها في الحساب الجاري لجنوب أفريقيا وفي النمو الاقتصادي، بما يتيح فصل أثر الصدمة الصحية العالمية عن الأثر البنيوي لعجز الحساب الجاري في مسار النمو
وتتميز تقنية الانحدار الذاتي ذي الإبطاءات الموزعة بقدرتها على تقدير العلاقات في الأجلين الطويل والقصير ضمن إطار واحد، وعلى التعامل مع متغيرات ذات درجات تكامل مختلفة، وهو ما جعلها ملائمة لبيانات ربع سنوية تمتد ثمانية أعوام، وأتاح إدراج متغير كورونا النوعي ضمن النموذج اختبار ما إذا كانت الجائحة قد أحدثت أثرًا مستقلًا يتجاوز القنوات التقليدية لعجز الحساب الجاري في النمو
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج بوجه عام أن عجز الحساب الجاري في جنوب أفريقيا أثر في النمو الاقتصادي في الأجلين الطويل والقصير معًا، كما أثرت جائحة كورونا في الحساب الجاري تأثيرًا دالًا في الأجلين الطويل والقصير أيضًا، بما أدى إلى مزيد من تدهور الحساب الجاري لجنوب أفريقيا، وانعكس لاحقًا بالسلب على النمو الاقتصادي، وتؤكد هذه النتائج أن الصدمات الخارجية تضاعف من هشاشة الاقتصادات التي تعاني أصلًا من اختلالات في ميزان تعاملاتها الخارجية، وأن أثر العجز لا يقتصر على لحظة حدوثه بل يمتد عبر الزمن
وتتسق هذه النتائج مع طبيعة الاقتصاد الجنوب أفريقي المعتمد على صادرات السلع الأساسية والواردات الرأسمالية، إذ يؤدي اتساع العجز إلى ضغوط على العملة والاحتياطيات وتكاليف التمويل، بينما جاءت الجائحة لتضرب قنوات التجارة والاستثمار والسياحة دفعة واحدة، فتعمقت الاختلالات الخارجية وتباطأ النمو بوتيرة أسرع، وهو تفاعل مضاعف بين ضعف بنيوي وصدمة ظرفية يفسر حدة الأثر المسجل في الأجلين معًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة بتشجيع الصادرات الأكثر تنافسية وإحلال الواردات عبر الاستثمار في الإنتاجية المحلية وتطويرها، كما توصي بتسريع مبادرات التعافي من جائحة كورونا المطروحة عبر تحالف بين الحكومة والقطاع الخاص، وتنطوي الدراسة على دلالات لصانعي السياسات الاقتصادية في الاقتصادات النامية حول أهمية معالجة عجز الحساب الجاري بوصفه مدخلًا لدعم النمو، وحول ضرورة بناء مرونة اقتصادية تمكن من امتصاص الصدمات العالمية دون أضرار مضاعفة في النمو، وتفتح الباب لدراسات لاحقة حول قنوات انتقال أثر العجز الخارجي إلى النشاط الحقيقي
كما تحمل الدراسة دروسًا للاقتصادات ذات العجز الخارجي المزمن حول أهمية الإصلاح الاستباقي، فتنويع قاعدة الصادرات ورفع المحتوى المحلي في الإنتاج يقللان من التعرض للصدمات، وبناء شراكات فعالة بين الحكومة والقطاع الخاص يسرع التعافي حين تقع الأزمات، وتظل معالجة الحساب الجاري بهذا المعنى سياسة نمو بقدر ما هي سياسة توازن خارجي، وهو ما تؤكده تجربة جنوب أفريقيا خلال سنوات الدراسة
وخلاصة القول إن عجز الحساب الجاري في جنوب أفريقيا أثقل كاهل النمو الاقتصادي في الأجلين القصير والطويل خلال الفترة من 2015 حتى 2022، وجاءت جائحة كورونا لتعمق هذا العجز وتفاقم آثاره، بما يجعل إصلاح الميزان الخارجي وتنويع القاعدة الإنتاجية أولوية للسياسة الاقتصادية








