تعرضت المطاعم لاهتزاز كبير من جراء جائحة كورونا، إذ أجبرتها القيود الصحية على تكثيف استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في التواصل مع زبائنها والترويج لخدماتها في ظل تعذر الاستقبال المعتاد، وتنطلق هذه الدراسة من هذا التحول لتتساءل عن استراتيجيات التسويق الرقمي التي حققت أعلى معدلات تفاعل من الزبائن إبان الجائحة، وفقًا لاختلاف شدة القيود الصحية المفروضة عبر مراحلها المتعاقبة، فليست كل الرسائل التسويقية متساوية الأثر، وليست صيغ المخاطبة وأنواع المحتوى المنشور على صفحات المطاعم ذات نتيجة واحدة، ومن هنا تكتسب الدراسة أهميتها العملية لأصحاب المطاعم والمسوقين الرقميين الذين يحتاجون إلى أدلة تجريبية ترشد قراراتهم الاتصالية في أوقات الأزمات وما بعدها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد استراتيجيات التسويق الرقمي التي تولد تفاعلًا أعلى من الزبائن لدى المطاعم أثناء الجائحة، بحسب تباين شدة القيود الصحية، واعتمدت الدراسة على استخراج يدوي لستمئة وتسعة وثلاثين منشورًا من صفحات فيسبوك لستة عشر مطعمًا في مدينتين كنديتين، إحداهما في منطقة حضرية كبرى والأخرى في منطقة طرفية، ثم رُمزت هذه المنشورات وفقًا لنوع الحركة الكلامية فيها، وشكل المحتوى بين الصورة والنص، واستخدام الرموز التعبيرية، وقورن معدل التفاعل عبر هذه المتغيرات وعبر مراحل الجائحة وشدّة قيودها المختلفة، وبين المطاعم ذات العلامات الوطنية والمطاعم المستقلة، بما أتاح عزل أثر كل عنصر اتصالي في سلوك الجمهور المتابع لهذه الصفحات
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة أن معدل التفاعل كان أعلى بضعفين لدى مطاعم المنطقة الحضرية الكبرى مقارنة بمطاعم المنطقة الطرفية، وأن مطاعم المنطقة الحضرية استخدمت الرموز التعبيرية بمعدل ثلاثة أضعاف في المنشور الواحد في المتوسط، كما كان معدل التفاعل أعلى بخمسة أضعاف لدى المطاعم ذات العلامات الوطنية مقارنة بالمطاعم المستقلة، وبينت النتائج أنه مع ضرب الجائحة بدأت المطاعم تستخدم نصوصًا أطول وحركات كلامية توجيهية مباشرة لنقل معلومات دقيقة وحاسمة إلى الزبائن، لا سيما ما يتصل بالقيود الصحية، وأن الرموز التعبيرية والحركات الكلامية المعبرة أسهمت في رفع تفاعل الزبائن، وكان الأسلوب المباشر أكثر كفاءة في أوقات الأزمة، ثم استمر استخدام الحركات التوجيهية حتى بعد رفع معظم القيود الصحية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن الأسلوب المباشر في منشورات التواصل الاجتماعي يبدو استراتيجية تسويق رقمي جيدة في ظل الوضع الطبيعي الجديد الذي أعقب الجائحة، لا في زمن الأزمة وحده، وهي نتيجة عملية يمكن لأصحاب المطاعم والمشروعات الصغيرة توظيفها في بناء خططهم الاتصالية، كما تنبه النتائج إلى أهمية الرموز التعبيرية والصيغ الودودة في رفع التفاعل دون إخلال بوضوح الرسالة، وإلى الفجوة بين المطاعم ذات العلامات الوطنية والمطاعم المستقلة في القدرة على حصد التفاعل، بما يدعو الأخيرة إلى استثمار أكبر في مهارات التسويق الرقمي، وتفيد الدراسة كذلك باحثي اتصالات الأزمات بإطار تجريبي يربط بين شدة الأزمة وصيغ الخطاب التسويقي وآثارها القابلة للقياس
وتستفيد الدراسة من تباين السياقين الحضري والطرفي في إبراز أثر البيئة المحلية في نجاح التسويق الرقمي، فالمطاعم الحضرية تعمل في سوق أكثر تنافسية وجمهور أوسع حضورًا على المنصات، وهو ما انعكس في معدلات تفاعلها الأعلى وفي جرأتها الأكبر على استخدام الرموز التعبيرية والصيغ غير الرسمية، بينما واجهت المطاعم الطرفية والمستقلة تحديًا مضاعفًا يتمثل في محدودية الموارد والمهارات التسويقية، ومع ذلك تقدم النتائج لهذه المطاعم خريطة عملية منخفضة الكلفة، فالمباشرة في نقل المعلومة، والانتظام في النشر، واللمسة التعبيرية الودودة، عناصر لا تتطلب موازنات ضخمة بل وعيًا اتصاليًا يمكن بناؤه بالتدريب والممارسة، وبها تستطيع المشروعات الصغيرة تضييق الفجوة مع العلامات الوطنية الكبرى في ساحة التفاعل الرقمي
وتلقي النتائج بظلالها أيضًا على مرحلة ما بعد الجائحة، فالزبائن الذين اعتادوا المتابعة الرقمية الدقيقة لتحديثات مطاعمهم لم يعودوا إلى عاداتهم القديمة كليًا، بل ظل التواصل الرقمي قناة رئيسة لبناء الولاء واتخاذ قرارات الشراء، وهو ما يجعل منشورات الجائحة مختبرًا دائم الفائدة لفهم سلوك المستهلك الرقمي في أوقات الاستقرار كما في أوقات الاضطراب على حد سواء
وخلاصة القول إن تجربة المطاعم الكندية في الجائحة تقدم درسًا اتصاليًا عامًا مفاده أن وضوح الرسالة ومباشرتها، مقترنين بلمسة إنسانية معبرة، هما مفتاح التفاعل الرقمي الناجح في الأزمات وبعدها، وأن ما فرضته الجائحة من عادات اتصالية جديدة لم يكن حلًا مؤقتًا بل تحولًا دائمًا في قواعد التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي








