تقدم هذه الدراسة قراءة في كتاب بول كان «الديمقراطية في أمريكا الخاصة بنا»، وهو عمل حميم في النظرية السياسية المحلية يرصد فيه المؤلف حياة بلدته الصغيرة في نيو إنغلاند بمنهج إثنوغرافي، وتضع الدراسة هذا الكتاب في موضع مركزي من مشهد الفكر السياسي عند كان، وترى أن شخصية المتطوع، كما تظهر في الكتاب، تحتفظ بمساحة للحب والمعنى، وللسعادة السياسية، تجعلها ذات دور نقدي في منظومة المعتقدات والممارسات التي يقوم عليها الحكم الذاتي في الولايات المتحدة، فالمتطوع ليس مجرد مساعد في أنشطة المجتمع المحلي، بل هو حامل لقيمة تتجاوز المصلحة الذاتية الضيقة، وغيابه أو تراجع روحه مؤشر على تحول عميق في إمكانات الحياة الديمقراطية ذاتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إعادة بناء موقع شخصية المتطوع في الفكر السياسي عند بول كان ودلالاته النظرية، واعتمدت منهجًا تأويليًا تحليليًا يقرأ الكتاب في سياق مجمل أعمال المؤلف، فيربط المتطوع بتفكير كان في مؤسسة الأسرة وشخصية المحارب القديم ومفهوم القانون، ويتتبع دلالات تآكل روح المتطوع في بلدة كيلينغوورث بولاية كونيتيكت كما يرصدها الكتاب، ليفهم هذا التآكل بوصفه فقدانًا لموقع الفعل الذي يعكس سعيًا إلى معنى سياسي يتجاوز المصلحة الذاتية، ومعه فقدان إمكانية الحكم الذاتي ذاتها، كما استدعت الدراسة في تأويلها تراثًا فلسفيًا ممتدًا يشمل أفلاطون وفرويد وحنة آرنت، لتتبع مفهومي الإيروس، بمعنى دافع الحب والتوق، والسعادة عبر هذا التراث وربطهما بفكرة المتطوع
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الدراسة أن المتطوع عند كان يحمل موضع القوة الذي يرمز إلى دافع الحب الكامن في قلب الحياة السياسية، فهو المواطن الذي يبذل وقته وجهده لجماعته بدافع يتجاوز حسابات المنفعة الشخصية، وهذا البذل هو ما يمنح الحكم الذاتي مضمونه الحي، وأن تآكل هذه الروح في البلدات الأمريكية الصغيرة ليس ظاهرة اجتماعية هامشية بل هو في عمقه تعبير عن الارتباط بين حياتنا التعيسة وسياستنا التعيسة، فحين يفقد الأفراد مواقع الفعل التي تصلهم بمعنى يتجاوز ذواتهم، تفقد الديمقراطية وقودها الوجداني والقيمي، وتعيد الدراسة بناء هذا الرابط بين التعاسة الفردية والتعاسة السياسية عبر تحليل دقيق لفئات الحب والمعنى والسعادة السياسية في أعمال كان المتتابعة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات تتجاوز حدود التعليق على كتاب واحد، إذ تقدم عدسة نظرية لفهم أزمات الديمقراطيات المعاصرة من زاوية التطوع والانتماء المحلي، فتراجع العمل التطوعي والمشاركة المجتمعية قد يكون مؤشرًا مبكرًا على تآكل شروط الحكم الذاتي ذاته، وتفيد هذه النتيجة باحثي النظرية السياسية وعلم الاجتماع السياسي بأدوات مفاهيمية لربط الظواهر المحلية الصغيرة بالأسئلة الكبرى عن معنى الحياة السياسية وغاياتها، كما تفيد صانعي السياسات المحلية بأن دعم البنى التطوعية والمجتمعية ليس ترفًا اجتماعيًا بل استثمار في صحة الديمقراطية، وأن إحياء روح المتطوع يبدأ من البلدة والمدرسة والجمعية المحلية حيث يتعلم المواطنون معنى الفعل المشترك
وتستمد شخصية المتطوع قوتها الرمزية من كونها تقع عند تقاطع الخاص والعام، فالمتطوع يخرج من دائرة أسرته ومصالحه المباشرة إلى فضاء الجماعة دون أن ينتظر مقابلًا، وفي هذا الخروج الطوعي تتجلى بذرة الحياة السياسية ذاتها كما يتصورها كان، أما حين تنسحب هذه الشخصية من المشهد بفعل الإنهاك أو الإحباط أو تغير أنماط الحياة، فإن البلدة لا تخسر أيدي عاملة مجانية فحسب، بل تخسر المسرح الذي كان سكانها يمارسون عليه فعلهم المشترك ويولدون منه معاني انتمائهم، ولهذا يقرأ المؤلف تراجع نوادي الخدمة والمناسبات المجتمعية بوصفه عرضًا لخلل أعمق يصيب الديمقراطية في قاعدتها الاجتماعية، ويجعل من إثنوغرافيا بلدة صغيرة واحدة مرآة تكبر صورة أزمة وطنية شاملة
وتلفت الدراسة النظر أيضًا إلى البعد العاطفي المغيب في كثير من نظريات الديمقراطية التي تركز على المؤسسات والإجراءات وحدها، فالديمقراطية عند كان نظام حياة يقوم على مشاعر الانتماء والحب والتضحية المتبادلة داخل الجماعات الصغيرة قبل أن يكون آلية لعد الأصوات، وإهمال هذا البعد الوجداني في التشخيص والعلاج معًا يفسر قصور كثير من محاولات إصلاح الحياة السياسية المعاصرة وبرامجها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تبرز قيمة كتاب كان الإثنوغرافي الحميم في النظرية السياسية، إذ تكشف أن شخصية المتطوع مفتاح لفهم سر بقاء الحكم الذاتي أو اضمحلاله، وأن بين حب المواطنين لجماعاتهم وسعادتهم السياسية والحفاظ على الديمقراطية صلة لا يجوز إغفالها في أي تشخيص لأزمات العصر السياسية








