تُعد المحافظة على جودة حياة مرضية في المناطق الريفية أمرًا أساسيًا للتنمية المستدامة، ومن سبل تحسين مؤشرات جودة الحياة تجمع العاملين الريفيين في منظمات الاقتصاد التضامني التي تهدف إلى دمج التنمية بالاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ولأن لهذه المنظمات غرضًا اجتماعيًا قويًا فإن أداءها يجب أن يقيم بمؤشرات اجتماعية ومالية معًا لا بالمؤشرات المالية وحدها، وفي هذا الإطار تقترح هذه الدراسة نموذجًا لتقييم أداء مؤسسات الاقتصاد التضامني الريفية يدعم اتخاذ القرار فيها بالاستناد إلى تحليل القرار متعدد المعايير وبخاصة منهجية الفرز ثلاثي الفئات المعروفة بإليكتر-تري
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نموذج لتقييم أداء مؤسسات الاقتصاد التضامني الريفية يدعم اتخاذ القرار فيها اعتمادًا على تحليل القرار متعدد المعايير، وطبقت النموذج على مجموعة من ثماني تعاونيات زراعية أسرية في جنوب غرب ولاية بارانا بالبرازيل تنتمي كلها إلى الاقتصاد التضامني وتخدم ألفين وخمسمئة أسرة منتجة ريفية موزعة على خمس عشرة بلدية على الأقل، وجمع النموذج بين أبعاد اجتماعية ومالية للأداء ترجمة للغرض الاجتماعي لهذه المؤسسات، كما أجرت الدراسة تحليلات حساسية للتحقق من استقرار النتائج وقابلية الاعتماد عليها في توجيه جهود التحسين لدى كل تعاونية على حدة، ويقوم الأساس النظري للنموذج على أن مؤسسات الاقتصاد التضامني لا تُدار بمنطق تعظيم الربح وحده بل بمنطق مزدوج يجمع بين الاستدامة المالية والرسالة الاجتماعية، ولذلك صيغت معايير التقييم لتلتقط الجانبين معًا فلا تُكافأ مؤسسة مربحة ماليًا إن أهملت أسرها المنتجة ولا تُعفى مؤسسة مخلصة اجتماعيًا من مساءلة الكفاءة والإدارة الرشيدة، وهذا التوازن في المعايير هو ما يجعل التقييم مقنعًا للمديرين والأعضاء والجهات الداعمة على السواء
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج قابلية النموذج المقترح للتطبيق واستقراره عبر تحليلات الحساسية، وأتاح النموذج تحديد الأبعاد التي ينبغي لكل تعاونية أن تركز جهودها عليها لتحسين أدائها والنتائج التي تحققها للمزارعين الذين تخدمهم، فبدلًا من حكم إجمالي واحد يضع النموذج كل تعاونية أمام مرآة مفصلة تبين مواطن قوتها ومواطن تأخرها عبر الأبعاد الاجتماعية والمالية، وعلى أساس هذه النتائج يمكن تطوير أنشطة تنظيمية وأنشطة تحسين وتنفيذها بصورة موجهة، وتسهم هذه التحليلات في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بتقديم إستراتيجيات تحسين لاحترافية الإدارة الإستراتيجية لمؤسسات الاقتصاد التضامني الريفية وإدارتها المهنية، وتعطي منهجية الفرز المستخدمة قيمة مضافة خاصة فهي لا ترتب التعاونيات في سلم واحد بل تصنفها في فئات أداء تسمح بتحديد موقع كل مؤسسة بدقة وبناء خطط تحسين متفاوتة الطموح بحسب فئتها، وتدعم تحليلات الحساسية الثقة بهذا التصنيف إذ تبينت متانته أمام تغير الأوزان والافتراضات، كما أن خدمة التعاونيات الثماني لألفين وخمسمئة أسرة عبر خمس عشرة بلدية تجعل تحسين أدائها استثمارًا تنمويًا واسع الامتداد تتجاوز آثاره جدران المؤسسات إلى دخل الأسر الريفية واستقرارها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكمن دلالات الدراسة في أنها تقدم للتعاونيات الريفية أداة تقييم تحترم طبيعتها المزدوجة الاقتصادية والاجتماعية فلا تختزل نجاحها في الربح ولا تكتفي بحسن النوايا الاجتماعية، وتمنح مديري هذه المؤسسات أساسًا منهجيًا لتحديد أولويات التحسين وتخصيص الموارد المحدودة حيث تؤتي أكبر أثر في حياة الأسر المنتجة، كما تفيد الجهات الداعمة للاقتصاد التضامني في متابعة أداء المؤسسات التي ترعاها بمقاييس قابلة للمقارنة، ويستطيع الباحثون في إدارة الأعمال والتنمية الريفية نقل منهجية الفرز متعدد المعايير إلى سياقات تعاونية أخرى بعد تكييف المعايير مع خصائص كل بيئة محلية، ومن دلالات الدراسة أيضًا أن جودة الحياة الريفية التي تنطلق منها الحجة كلها ليست شعارًا بل نتيجة قابلة للبناء عبر مؤسسات وسيطة قوية فالتعاونية حين تُدار باحترافية وتحاسَب بمؤشرات اجتماعية ومالية متوازنة تصبح قناة فعالة لتحويل التضامن المحلي إلى خدمات ودخل واستقرار، وبذلك يصلح النموذج المقترح أساسًا لبرامج دعم حكومية وغير حكومية تشترط التقييم المنهجي قبل ضخ الموارد وتتابع أثرها بعده بالأداة ذاتها
وخلاصة القول إن تقييم أداء مؤسسات الاقتصاد التضامني الريفية بمؤشرات اجتماعية ومالية متكاملة عبر تحليل القرار متعدد المعايير يقدم نموذجًا قابلًا للتطبيق ومستقر النتائج، يحول التقييم من حكم عام إلى خريطة تحسين محددة لكل تعاونية، ويعزز بذلك احترافية هذه المؤسسات وقدرتها على خدمة الأسر الريفية المنتجة وتنمية مجتمعاتها، ويظل الشرط الموازي لأي تعميم أوسع هو تكييف معايير التقييم مع خصوصية كل سياق تعاوني حتى لا يتحول النموذج من أداة تمكين إلى قالب جامد








