يتسارع حضور الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، ولم يعد سؤال المؤسسات التعليمية ما إذا كان الطلاب سيستخدمونه، بل كيف يستخدمونه استخدامًا ناجحًا وكفؤًا، وما العوامل التي تصنع هذا الاستخدام، وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في برامج إعداد المعلمين، فطالب اليوم في كليات التربية هو معلم الغد الذي سيوظف هذه التقنيات في صفه وسيشكّل اتجاهات تلاميذه نحوها، ومن هنا تنطلق هذه الدراسة متعددة الأبعاد لبحث العوامل المؤثرة في نجاح طلاب الجامعات في برامج إعداد المعلمين بالنمسا وكفاءة استخدامهم للذكاء الاصطناعي، مستندة إلى منظورات نظرية متكاملة تجمع بين الإلمام بالذكاء الاصطناعي ونماذج قبول التكنولوجيا الراسخة في أدبيات تقنية التعليم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد العوامل المؤثرة في نجاح الطلاب وكفاءتهم في استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن برامج إعداد المعلمين النمساوية، واعتمدت مقاربة متعددة المنظورات تجمع ثلاثة أطر، هي إطار مايلز لقياس الإلمام بالذكاء الاصطناعي واتجاهاته، وإطار آي إس إس، ونموذج قبول التكنولوجيا في صيغته الثالثة المعروف اختصارًا بتام ثلاثة، ولتقييم النموذج البحثي استخدم الباحثون نمذجة المعادلات البنائية القائمة على التغاير في تحليل بيانات جُمعت من مئتين وأربعة وخمسين طالبًا، فأمكن اختبار شبكة العلاقات بين متغيرات متعددة تشمل نواتج أداء استخدام الذكاء الاصطناعي، وسهولة استخدامه المدركة، وفائدته المدركة، وأخلاقياته، وتعقيده التكنولوجي، واتجاهات الطلاب نحوه، ورضاهم عنه، وتطبيقه العملي في أنشطتهم الدراسية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن نواتج أداء استخدام الذكاء الاصطناعي تؤثر إيجابًا في سهولة الاستخدام المدركة والفائدة المدركة والتطبيق العملي، دون أن تؤثر في اتجاهات الطلاب نحوه أو رضاهم عنه، وأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لا تؤثر في سهولة الاستخدام المدركة ولا في الفائدة المدركة، لكنها تؤثر إيجابًا في التطبيق العملي، كما أثّر التعقيد التكنولوجي سلبًا في سهولة الاستخدام المدركة، بينما جاءت آثارها في الفائدة المدركة والاتجاهات والرضا والتطبيق العملي غير ذات دلالة، وأثّرت الفائدة المدركة وسهولة الاستخدام المدركة إيجابًا في اتجاهات الطلاب، وأثّرت الفائدة المدركة في رضاهم بينما لم تُظهر سهولة الاستخدام أثرًا في الرضا، كما أثّرت الاتجاهات والفائدة المدركة إيجابًا في الرضا، غير أن الاتجاهات لم تؤثر في التطبيق العملي، بينما أثّر رضا الطلاب إيجابًا في تطبيقهم العملي للذكاء الاصطناعي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم نتائج الدراسة لصانعي السياسات التعليمية خريطة عملية بالعوامل التي ينبغي مراعاتها عند وضع السياسات والخطوط الإرشادية لتدريب الطلاب على الذكاء الاصطناعي واستخدامه في برامج إعداد المعلمين، وتوفير الموارد اللازمة والدعم التقني المصاحب، كما تفيد مطوري تقنيات الذكاء الاصطناعي التعليمي في تحسين تصميم منتجاتها ووظائفها، ولا سيما خفض التعقيد التكنولوجي الذي يعوق إدراك سهولة الاستخدام، ويلفت الانتباه أثر الأخلاقيات في التطبيق العملي، فهو يشير إلى أن ترسيخ الوعي الأخلاقي لا يقف عائقًا أمام الاستخدام بل يعزز ممارسته الفعلية، وبمجملها تساعد النتائج المعلمين والطلاب على تحسين جودة توظيف الذكاء الاصطناعي وفاعليته في التعليم والتعلم، وعلى بناء برامج إعداد توازن بين الكفاءة التقنية والمسؤولية المهنية لدى معلمي المستقبل
ويستحق نمط النتائج وقفة تأملية، فهو يرسم مسارًا يبدأ من تجربة الاستخدام الفعلية ونواتج أدائها، ويمر عبر إدراك الفائدة وتكوين الرضا، وينتهي إلى التطبيق العملي، بينما تقف الاتجاهات العامة موقفًا أضعف مما قد يُتوقع، إذ لم تتحول إلى تطبيق عملي رغم إيجابيتها، وكأن الطالب قد يحمل موقفًا مؤيدًا للذكاء الاصطناعي دون أن يوظفه فعليًا في دراسته ما لم يتحقق له رضا ملموس عن تجربته معه، كما يلفت الانتباه أن سهولة الاستخدام لم تصنع الرضا بذاتها، فالطالب في برامج إعداد المعلمين لا يكتفي بأن تكون الأداة سهلة، بل يطلب أن تكون نافعة لتعلمه ولمهنته المقبلة، وأن ما يحصل عليه من نواتج أداء حقيقية هو ما يبني إدراكه للسهولة والفائدة معًا، وتتسق هذه الصورة مع منطق نماذج قبول التكنولوجيا التي تجعل المنفعة المدركة محركًا أعمق أثرًا من مجرد غياب الجهد
وخلاصة القول إن الدراسة ترسم صورة متعددة الأبعاد لتبنّي الذكاء الاصطناعي لدى طلاب إعداد المعلمين، فتبيّن أن نواتج الأداء والفائدة المدركة والرضا محركات أساسية للتطبيق العملي، وأن التعقيد التكنولوجي يعوق سهولة الاستخدام، وأن الأخلاقيات تعزز الممارسة الفعلية، وتقدم بذلك أساسًا علميًا لسياسات وبرامج تدريبية ترتقي بجودة استخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد المعلمين وفاعليته








