أنشأت زيمبابوي مؤسسات عدة لمكافحة غسل الأموال والجرائم المتصلة به، ومع ذلك يسود تصور بأن الإجراءات المتخذة للقبض على مرتكبي الجرائم المالية غير كافية، فمؤسسات مثل وحدة الاستخبارات المالية ولجنة مكافحة الفساد في زيمبابوي وشرطة جمهورية زيمبابوي وهيئة الادعاء الوطنية وبنك الاحتياطي الزيمبابوي لم تقدم إلا القليل مما يثبت عزم الحكومة على مكافحة غسل الأموال، بل يبدو باطراد أن هذه المؤسسات ضعيفة التجهيز وتفتقر إلى القدرة اللازمة لإنفاذ تدابير مكافحة غسل الأموال والتمسك بها، ويزيد الأمر سوءًا ما يظهر من تطبيق انتقائي للقانون بحيث تسري مجموعة من القواعد على من يُنظر إليهم بوصفهم خصومًا سياسيين للسلطة القائمة ومجموعة أخرى على النخبة السياسية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدف المقال إلى تقديم تحليل تنظيمي للجهات الفاعلة في مكافحة غسل الأموال في زيمبابوي لتقويم وظائفها في مواجهة الجرائم المالية وفحص ما إذا كانت هذه الجهات فعالة وتؤدي مسؤولياتها أداء جوهريًا، واعتمدت الدراسة منهج التحليل التنظيمي والمؤسسي للأطر القانونية والاختصاصات المنوطة بكل جهة من الجهات المعنية، وربطت بين هذا التحليل وبين الممارسات الفعلية التي تكشف عن فجوة بين النصوص والتنفيذ، كما بنت الدراسة حجتها على أن الانتقائية في تطبيق القانون تصور زيمبابوي بوصفها ولاية قضائية متسامحة بصورة ما مع غسل الأموال والفساد والجرائم المالية المتصلة بهما، بما يخفض مكانة البلاد ويشوهها في المجتمع الاقتصادي العالمي
ثانيًا: أبرز النتائج
خلص التحليل إلى أن مؤسسات مكافحة غسل الأموال في زيمبابوي تعاني مجتمعة ضعفًا في التجهيز ونقصًا في القدرة على إنفاذ التدابير اللازمة، وأن أداءها لم يقدم دليلًا كافيًا على جدية الدولة في ملاحقة مرتكبي الجرائم المالية، كما أظهر أن التطبيق الانتقائي للقانون وفق الانتماء السياسي والاقتصادي يقوض مصداقية المنظومة برمتها ويرسل إشارة سلبية إلى المجتمع الدولي حول بيئة الامتثال المالي في البلاد، وفي المقابل رأى الباحثون أن زيمبابوي قادرة تمامًا على مكافحة غسل الأموال بفعالية متى طُبق القانون تطبيقًا متساويًا على جميع الأشخاص بغض النظر عن مكانتهم السياسية أو الاقتصادية، وأن عمل مؤسسات المكافحة دون خوف أو محاباة أو تحيز شرط حاسم في مكافحة غسل الأموال وغرس ثقة الجمهور العام في هذه المؤسسات
ويفصل التحليل أدوار الجهات الخمس المعنية واختصاصاتها، فوحدة الاستخبارات المالية معنية بتلقي معلومات المعاملات المشبوهة وتحليلها، ولجنة مكافحة الفساد بالتحقيق في وقائع الفساد، وشرطة جمهورية زيمبابوي بإنفاذ القانون وضبط الجناة، وهيئة الادعاء الوطنية بملاحقتهم قضائيًا، وبنك الاحتياطي بوصفه منظمًا للقطاع المالي، غير أن الصورة التجميعية التي يرسمها المقال تبين أن هذا البناء المؤسسي المتكامل ظاهريًا لا يترجم إلى فعالية على الأرض، إذ تشترك الجهات في ضعف التجهيز ونقص القدرات البشرية والفنية، وفي تبعية عملية تجعل تطبيق القانون على النخبة السياسية وأصحاب النفوذ أمرًا متعذرًا بينما يشتد على من يُعدون خصومًا سياسيين للسلطة القائمة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبع أهمية هذه الدراسة من تجاوزها تقويم النصوص القانونية إلى مساءلة البنية المؤسسية والسياسية التي تحكم إنفاذها، فهي تبين أن وجود مؤسسات متخصصة في مكافحة غسل الأموال لا يكفي ما لم تقترن باستقلال فعلي وقدرات تشغيلية وتطبيق غير انتقائي للقانون، وتفيد نتائجها صناع السياسات والمهتمين بإصلاح الحوكمة المالية في الدول النامية، كما تقدم مادة مقارنة للباحثين في القانون المالي والجريمة الاقتصادية حول أثر الانتقائية السياسية في تقويض أنظمة الامتثال، وتؤكد أن سمعة الدولة في المنظومة المالية العالمية رهينة بمصداقية مؤسساتها الرقابية والادعائية في التعامل المتساوي مع الجميع
وتمتد دلالات الدراسة إلى موقع زيمبابوي في المنظومة المالية العالمية، فالتصور الدولي بأن البلاد متسامحة مع غسل الأموال والفساد يخفض مكانتها ويشوه سمعتها في المجتمع الاقتصادي العالمي ويرفع كلفة تعامل مؤسساتها المالية مع الخارج، ومن هنا فإن إصلاح منظومة المكافحة ليس مطلبًا قانونيًا داخليًا فحسب بل شرطًا لاستعادة الثقة الدولية وجذب الاستثمار، وترى الدراسة أن المخرج متاح لأن البلاد قادرة على مكافحة فعالة متى تحقق شرطان متلازمان هما التطبيق المتساوي للقانون على الجميع مهما علت مكانتهم، وعمل مؤسسات المكافحة دون خوف أو محاباة أو تحيز، وهي معادلة تصلح إطارًا لتقويم أنظمة مكافحة الجرائم المالية في دول أخرى تعاني الخلط ذاته بين الإنفاذ والولاء السياسي
وخلاصة القول إن أزمة مكافحة غسل الأموال في زيمبابوي كما ترسمها الدراسة ليست أزمة تشريعات بقدر ما هي أزمة قدرات مؤسسية واستقلال وانتقائية في التطبيق، وأن الطريق إلى منظومة فعالة يمر عبر تجهيز المؤسسات المعنية وتمكينها وحماية استقلالها وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز، وهي رسالة تتجاوز الحالة الزيمبابوية إلى كل نظام يسعى لبناء ثقة داخلية ودولية في سلامة قطاعه المالي ونزاهة مؤسساته








