تتناول هذه الدراسة دور المشتريات العامة للذكاء الاصطناعي بوصفه محفزًا للتغيير التحويلي في وظائف الدولة، وهي تنطلق من تصور متنام في الفكر القانوني المعاصر مفاده أن العلاقة بين القانون والتقنية لم تعد علاقة ضبط لاحق يقتصر على وضع القيود والضوابط بعد ظهور الابتكارات، بل غدت علاقة توجيه وتشكيل متبادلين تتفاعل فيها القواعد القانونية مع مسارات الابتكار ذاتها منذ لحظاتها الأولى، وتستند الدراسة إلى مفهوم القانون التحويلي الذي يرى أن القانون ينبغي ألا يكتفي بتنظيم الابتكار التكنولوجي، وإنما أن يوجهه ويشكله بفاعلية بما يتوافق مع القيم الديمقراطية وسيادة القانون، وفي هذا الإطار تبرز المشتريات العامة أداة استراتيجية بيد الدولة تستطيع من خلالها إعادة هيكلة التكوين ذاته الذي تقوم عليه الحوكمة العامة ومؤسساتها، لا مجرد تحسين كفاءة إنفاقها أو تحديث أدوات عملها اليومية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى تحليل القضايا القانونية الرئيسة المحيطة بشراء أنظمة الذكاء الاصطناعي في القطاع العام، واعتمدت في ذلك منهجًا تحليليًا قانونيًا ذا طبيعة مفاهيمية تناول الأطر النظرية والتشريعية الحاكمة لهذا المجال الناشئ، وانطلقت التحليلات من مسلمة الوظيفة المزدوجة للمشتريات العامة للذكاء الاصطناعي، فهي من جهة أولى أداة لتحسين إجراءات التعاقد والشراء ذاتها بما توفره من أتمتة وسرعة ودقة في فرز العروض وإدارة العقود، وهي من جهة ثانية موضوع للشراء ذاته حين تتعاقد الجهات العامة على اقتناء أنظمة خوارزمية تؤدي مهام إدارية وخدمية تمس المواطنين مباشرة، وتوقف التحليل عند قضايا ضاغطة عدة تمثلت في تعريفات الشرعية الخوارزمية والمساءلة عن القرارات المؤتمتة، وعدم تماثل الخبرة بين السلطات العامة والموردين من القطاع الخاص، والتعقيد التنظيمي الذي يميز هذا الحقل خاصة في ضوء قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي الذي اعتُمد مؤخرًا وما فرضه من التزامات متدرجة بحسب مستويات المخاطر
ثانيًا: أبرز النتائج
أبرزت الدراسة أن المشتريات العامة حين تُوظف بوعي قانوني تتحول إلى آلية لإعادة تشكيل بنية الحوكمة العامة ذاتها، إذ تتيح شروط التعاقد ومواصفاته فرض معايير الشفافية وقابلية التفسير وحماية الحقوق الأساسية على الأنظمة المشتراة قبل دخولها الخدمة الفعلية، وبينت أن مشكلة عدم تماثل الخبرة تجعل الجهات العامة في موقع أضعف أمام موردين يمتلكون المعرفة التقنية العميقة بأنظمتهم، وهو ما يهدد قدرة الإدارة على فهم القرارات المؤتمتة فهمًا حقيقيًا والمساءلة عنها مساءلة فعالة، كما أظهرت أن التعقيد التنظيمي الناشئ عن تداخل قوانين المشتريات وحماية البيانات وقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي يفرض على الإدارات العامة عبئًا تفسيريًا وتطبيقيًا متزايدًا يستدعي تنسيقًا مؤسسيًا أوثق، وانتهت الدراسة إلى تصور المشتريات العامة للذكاء الاصطناعي شكلًا من أشكال البنية التحتية القانونية القادرة على تأمين تحولات منهجية دائمة للدولة ومؤسساتها، بحيث تنعكس القيم الدستورية في تصميم الأنظمة ذاتها لا في الرقابة اللاحقة عليها فحسب
وتضيف الدراسة أن كون المشتريات العامة قناة رئيسة لدخول التقنيات إلى الإدارة يجعلها نقطة النفاذ الأهم لقيم الحكم الرشيد إلى قلب الأنظمة الخوارزمية، فشروط المناقصات والمواصفات الفنية ومعايير القبول ليست تفاصيل إدارية محايدة، بل قرارات قيمية تحدد أي ذكاء اصطناعي سيُسمح له بخدمة الجمهور وبأي شروط، وأن تجاهل هذا البعد يحول الشراء العام إلى استيراد صامت لقيم الموردين وافتراضاتهم المضمنة في منتجاتهم دون نقاش عام أو رقابة ديمقراطية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات مهمة للمشرعين وصانعي السياسات والقائمين على المشتريات العامة، إذ تدعو إلى بناء قدرات تقنية وقانونية داخل الجهات الحكومية تقلل من فجوة الخبرة مع الموردين، وإلى تضمين عقود شراء الأنظمة الخوارزمية بنودًا صريحة بشأن الشرعية الخوارزمية والمساءلة وتدقيق الأداء وحقوق المتعاملين مع الإدارة، كما تفيد الباحثين في القانون الإداري وقانون التقنية بإطار مفاهيمي يربط بين أدوات التعاقد العام وأهداف التحول المؤسسي الواسع، وتفتح الباب أمام دراسات مقارنة تتناول تجارب الدول المختلفة في توظيف مشترياتها العامة لتوجيه أسواق الذكاء الاصطناعي نحو منتجات أكثر التزامًا بالقيم العامة ومتطلبات الخدمة العمومية
كما يستدعي هذا التصور إعادة نظر في تأهيل القائمين على الشراء العام، إذ لم يعد دورهم إجرائيًا يقتصر على استيفاء الشكليات المنصوص عليها، بل أصبح دورًا حوكميًا يتطلب فهمًا للخوارزميات وقدرة على صياغة متطلبات المساءلة والتدقيق وقياسها عمليًا، وهو ما يفتح مجالًا خصبًا للتعاون بين كليات القانون ومدارس الإدارة العامة في بناء برامج تأهيل متخصصة لهذا الجيل الجديد من الموظفين العموميين
وخلاصة القول إن المشتريات العامة للذكاء الاصطناعي ليست عملية شراء تقنية محايدة، بل هي قرار حوكمي يعيد تشكيل علاقة الدولة بالتقنية وبالمواطنين معًا، وإن إدارتها بوصفها بنية تحتية قانونية واعية بقيم الديمقراطية وسيادة القانون تجعل منها رافعة للتحول المؤسسي المنضبط، وتجعل من كل عقد شراء فرصة لترسيخ الشرعية والمساءلة في صلب الأنظمة التي ستشارك في اتخاذ القرارات العامة في المستقبل








