تفحص هذه الدراسة العلاقة بين عاملين من عوامل الشخصية هما الكمالية والصلابة الأكاديمية وبين التحصيل الدراسي لدى طلاب الجامعات، إذ تعد الكمالية سمة ذات وجهين، فقد تدفع الطالب إلى معايير عالية وإنجاز متفوق، وقد تتحول إلى عبء حين يشعر بتباين دائم بين ما يطمح إليه وما يحققه، كما تعد الصلابة الأكاديمية بأبعادها المتمثلة في التحدي والالتزام والتحكم موردًا نفسيًا يساعد الطالب على مواجهة ضغوط الدراسة، ومن ثم سعت الدراسة إلى تحديد طبيعة ارتباط هذين العاملين بالتحصيل وقدرتهما على التنبؤ به، بما يقدم صورة أدق عن الموارد النفسية التي تدعم النجاح الجامعي وتلك التي تعيقه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تكونت عينة الدراسة من تسعمئة وستة وستين طالبًا جامعيًا من تخصصات متنوعة في اليونان، واستكمل المشاركون استبانتين للتقرير الذاتي قيستا إنجازاتهم وكماليتهم وصلابتهم الأكاديمية، إضافة إلى استبانة ديموغرافية، وحللت الدراسة الارتباطات بين الصورتين التكيفية وغير التكيفية للكمالية وبين أبعاد الصلابة الأكاديمية الثلاثة وبين تحصيل الطلاب، ثم اختبرت الدور التنبؤي لكل من هذين العاملين في التحصيل الدراسي، بما يسمح بالتمييز بين الارتباط المجرد والقدرة الفعلية على التنبؤ بالأداء ضمن نموذج إحصائي واحد يجمع المتغيرات المتنافسة على تفسير تباين التحصيل
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج عن ارتباطات موجبة دالة إحصائيًا بين الصورة التكيفية للكمالية والتحصيل الدراسي، وارتباطات سالبة في المقام الأول بين الصورة غير التكيفية للكمالية والتحصيل، كما ارتبطت أبعاد الصلابة الأكاديمية الثلاثة وهي التحدي والالتزام والتحكم ارتباطًا موجبًا بأداء الطلاب، وفيما يتصل بالدور التنبؤي بينت النتائج أن الصورة التكيفية للكمالية ممثلة في المعايير العالية وبعدي التحدي والالتزام من الصلابة الأكاديمية متنبئات موجبة بالتحصيل الدراسي، بينما كانت الصورة غير التكيفية ممثلة في الإحساس بالتباين بين المعايير والأداء متنبئًا سالبًا به، وهو ما يؤكد أن أثر الكمالية في النجاح يتوقف على صورتها لا على شدتها وحدها
وتتضح من التفاصيل التي تعرضها الدراسة خريطة دقيقة لأبعاد الصلابة الأكاديمية، فبعد التحدي يعني النظر إلى متطلبات الدراسة بوصفها فرصًا للنمو لا تهديدات، وبعد الالتزام يعني الانهماك الجاد في العمل الأكاديمي والاستمرار فيه، وبعد التحكم يعني الإحساس بالقدرة على التأثير في النتائج وإدارتها، وقد ارتبطت هذه الأبعاد الثلاثة مجتمعة بأداء أعلى لدى الطلاب، في حين انقسمت الكمالية إلى وجه يدعم هذا الأداء حين تتجسد في معايير عالية واقعية، ووجه يقوضه حين تتجسد في إحساس مؤلم بالتباين بين ما يطمح إليه الطالب وما يحققه فعلًا، وهذا التمايز الداخلي هو جوهر ما تضيفه الدراسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات مهمة للإرشاد الأكاديمي وخدمات دعم الطلاب، إذ يمكن للجامعات أن تستهدف في برامجها الإحساس المؤلم بالتباين لدى الطلاب الكماليين بخفضه عبر إعادة بناء توقعاتهم وتدريبهم على تقييم واقعي لأدائهم، وأن تعزز في المقابل أبعاد الصلابة الأكاديمية كالتحدي والالتزام عبر أنشطة وبرامج تنمي الشعور بالقدرة على المواجهة والاستمرار، كما تفيد أعضاء هيئة التدريس في التمييز بين طموح صحي يدعم التعلم وسعي مؤذ يعرقله، وتقدم للباحثين أساسًا لدراسات لاحقة تختبر برامج تدخلية تجمع بين معالجة الكمالية غير التكيفية وتنمية الصلابة لدى الطلاب الجامعيين
وتناقش الدراسة انعكاسات هذه النتائج على الممارسة الجامعية، فتشير إلى أن برامج الإرشاد والدعم النفسي للطلاب يمكن أن تبنى على خطين متوازيين، أولهما معالجة الإحساس بالتباين لدى الطلاب ذوي الكمالية غير التكيفية بمساعدتهم على مراجعة معاييرهم الذاتية وتقدير تقدمهم بصورة أعدل، وثانيهما تنمية الصلابة الأكاديمية عبر خبرات تعليمية تتدرج بالتحدي وتمنح الطلاب فرصًا لاختبار قدرتهم على الالتزام والتحكم، ويظل من المهم تذكر أن هذه النتائج جاءت من عينة جامعية يونانية كبيرة ومتنوعة التخصصات، بما يدعو إلى اختبار ثباتها في سياقات تعليمية وثقافية أخرى قبل تعميمها
ويمكن للمرشدين الأكاديميين الاستفادة من هذا التمايز عمليًا عبر فحص مبكر لأنماط الكمالية لدى الطلاب المتفوقين والمتعثرين على حد سواء، فالكمالية لا تظهر دائمًا في صورة تراجع في الدرجات، فقد ترافق تفوقًا ظاهريًا بينما تنهك صاحبها نفسيًا بصورة متواصلة، وهو ما يستدعي تدخلات وقائية هادئة قبل أن تتحول الضغوط إلى عوائق فعلية أمام التعلم
وخلاصة القول إن التحصيل الدراسي لدى طلاب الجامعات يتعزز بالكمالية التكيفية ذات المعايير العالية وبصلابة أكاديمية قوامها التحدي والالتزام والتحكم، ويتضرر حين تتحول الكمالية إلى إحساس مزمن بالتباين بين الطموح والأداء، ومن ثم فإن دعم النجاح الجامعي يمر عبر تنمية الوجه الصحي للكمالية والصلابة معًا لا عبر خفض سقف طموح الطلاب








