يتناول هذا المقال دراسة بحثت تجربة الجمهور مع الفعاليات الموسيقية القائمة على المحاكاة الرقمية لفنانين متوفين، وهي ظاهرة متنامية في صناعة الترفيه والسياحة الثقافية تثير أسئلة حول طبيعة التجربة التي يعيشها الجمهور حين يشاهد أداء لفنان لم يعد على قيد الحياة، فقد أتاحت التقنيات الرقمية إعادة تقديم هؤلاء الفنانين على المسرح بصورة تحاكي حضورهم الحقيقي، وبين الحماس لهذه التجربة والتردد تجاهها تباينت ردود فعل الجمهور، فجاءت هذه الدراسة لتستكشف آثار هذه الفعاليات في جمهورها استكشافًا منهجيًا يعتمد على ما يعبر عنه الجمهور نفسه من انطباعات ومشاعر في فضاءات التواصل الرقمي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استقصاء آثار الفعاليات الموسيقية القائمة على المحاكاة الرقمية لفنانين متوفين في جمهورها، مستخدمة التعليقات المنشورة على تسجيلات هذه الفعاليات في منصة يوتيوب مصدرًا للبيانات، واعتمدت تحليلًا مقارنًا لأكثر مقطعين مشاهدة من فعاليتين أحياهما بصريًا المغنيان مايكل جاكسون وتوباك، بمجموع مشاهدات بلغ مئة وخمسين مليون مشاهدة ومئة ألف تعليق، ووظفت تحليلًا لغويًا كميًا ونوعيًا للكلمات الأكثر تكرارًا في التعليقات، فجمعت بين عد الأنماط اللغوية المتكررة عدًا كميًا وتفسير ما تحمله من دلالات ومشاعر تفسيرًا نوعيًا، بما أتاح مقارنة تجربة الجمهور مع كل من الفعاليتين مقارنة مباشرة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن فعالية مايكل جاكسون أثارت ردود فعل متأرجحة لدى الجمهور، إذ يقدر الجمهور فرصة مشاهدة فنان متوفى ويعبر في الوقت ذاته عن عدم ارتياح نابع من كون الفنان متوفى، أما فعالية توباك فقد قوبلت بقبول أكثر إيجابية بالمقارنة، ويوحي هذا التباين بأن الجودة التقنية للمحاكاة عامل حاسم في جعل تجربة الفعالية إيجابية أو سلبية، فالتقنية هنا تعمل على جعل الفعالية أكثر شبهًا بالواقع وأقرب إلى الحياة، وكلما ارتقت المحاكاة تقنيًا ازداد اندماج الجمهور في التجربة وخف شعوره بالغرابة تجاه مشاهدة فنان راحل يؤدي على المسرح
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتمثل أصالة هذه الدراسة في كونها أول دراسة منهجية لجمهور الفعاليات الموسيقية الرقمية التي تقام بعد وفاة الفنان استنادًا إلى تعليقات يوتيوب، وهي تبين أن محاكاة الفنان ليست مجرد إعادة إنتاج للفنان كما كان في حياته، بل هي نوع مختلف من الفعاليات يمكن أن يستثير مشاعر قوية بالقدر نفسه الذي تستثيره الفعاليات الحية، وذلك لأنه يتحدى حاجز الموت نفسه ويعيد تشكيل علاقة الجمهور بالفنان الراحل، وتفيد هذه النتائج منظمي الفعاليات وصناع الترفيه في الانتباه إلى أن الاستثمار في جودة المحاكاة التقنية ليس ترفًا بل شرطًا لقبول الجمهور التجربة، كما تفيد الباحثين في دراسات السياحة والفعاليات في فهم الأبعاد الوجدانية لتجارب ما بعد الوفاة الرقمية وكيف تتشكل عبر تفاعل الجمهور المعلن في المنصات الرقمية
وتفتح منهجية الدراسة نافذة واسعة على مشاعر جمهور ضخم، فمئة وخمسون مليون مشاهدة ومئة ألف تعليق مادة غنية تعبر عن انطباعات عفوية لم تستدرجها استبانة مغلقة، وقد أتاح التحليل اللغوي للكلمات الأكثر تكرارًا تتبع المفردات الوجدانية التي يصف بها الجمهور تجربته، بين الإعجاب والحنين والدهشة والانزعاج، فالمشاعر القوية التي تستثيرها فعالية لفنان راحل تدل على أن التجربة ليست ترفيهًا عابرًا بل لقاء وجدانيًا بالذاكرة والفقد، ومن هنا لا تقاس هذه الفعاليات بمعايير الحفل الحي وحده، بل بمعايير نمط جديد يتشكل أمام أعيننا تعيد فيه التقنية تعريف الحضور الفني ذاته
وتتصل نتائج الدراسة بأسئلة أوسع حول مستقبل الفعاليات الرقمية في قطاعي الثقافة والسياحة، فإذا كانت المحاكاة المتقنة قادرة على استثارة مشاعر قوية تضاهي ما تستثيره الفعاليات الحية، فإن حدود التجربة الفنية ذاتها يعاد رسمها، ويصبح حضور الفنان مفهومًا قابلًا للامتداد بعد وفاته بصور لم تكن متاحة من قبل، غير أن شعور عدم الارتياح الذي سجلته الدراسة لدى جزء من الجمهور يذكر بأن هذا الامتداد ليس محايدًا وجدانيًا، فهو يستدعي الموت إلى قلب التجربة الترفيهية، ويجعل رضا الجمهور رهينًا بتوازن دقيق بين إتقان المحاكاة وحساسية التعامل مع ذاكرة فنان راحل وعشاقه
وخلاصة القول إن الفعاليات الموسيقية الرقمية لفنانين متوفين تمثل نمطًا جديدًا من التجارب الجماهيرية يقف على الحد بين الحضور والغياب، فالجمهور يعلم أن الفنان راحل ومع ذلك يعيش تجربة وجدانية قوية، ويبقى العامل الفاصل في نجاح هذه التجربة هو إتقان المحاكاة التقنية التي تقنع الحواس وتخفف الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يجعل هذه الدراسة مرجعًا مبكرًا في فهم جمهور هذا النمط المستحدث من الفعاليات








