يمثل تشكّل الهوية المهنية لمعلمي اللغة الإنجليزية القادمين من خلفيات مهاجرة غير ناطقة بالإنجليزية بالإنجليزية لغة أم قضية غنية في بحوث تعليم اللغة، إذ تتقاطع فيها الخبرات المعيشة عبر الزمن مع الأبعاد المكانية والجسدية والعلائقية، وتبرهن هذه المقالة على مزايا الجمع بين الظاهراتية التأويلية والاستقصاء السردي لفحص تشكّل الهوية المهنية لمعلمي اللغة الإنجليزية في أستراليا من خلفيات مهاجرة غير ناطقة بالإنجليزية لغة أم، متجاوزة التصنيفات الثنائية التي تحصر المعلمين في فئتي الناطقين بالإنجليزية لغة أم وغير الناطقين بها، وملتقطة الطبيعة المتطورة لتشكّل الهوية عبر الزمن
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف الخبرات المعيشة لستة عشر معلمًا من عشرة بلدان، وإبراز المسارات الفردية والمشتركة في تشكّل هوياتهم المهنية والأبعاد المكانية والزمانية والجسدية والعلائقية التي تصوغها، من الخبرات المعيشة المبكرة إلى الأدوار المهنية الحالية والتخيلات المستقبلية، واعتمدت توجهًا منهجيًا تكراريًا يؤكد الانخراط واسع النطاق في الظاهرة وصياغة أسئلة نقدية وتوليد بيانات حوارية وتفسيرًا متكررًا وعمقًا تأمليًا، بما ييسر تحليلًا معمقًا لتطور الهوية المهنية، فقد جمعت الدراسة بين قدرة الظاهراتية التأويلية على فهم معنى الخبرة المعيشة وقدرة الاستقصاء السردي على تتبع الحكايات الفردية عبر الزمن في إطار منهجي واحد متكامل
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت الدراسة أن هويات المعلمين المهنية عمليات سيالة تتشكل عبر أبعاد وطبقات متعددة لا يمكن اختزالها في ثنائية الناطق وغير الناطق بالإنجليزية لغة أم، إذ تمتد جذورها إلى خبرات مبكرة سابقة للهجرة والتدريس، وتتفاعل مع أبعاد مكانية وزمانية وجسدية وعلائقية في سياقاتهم الأسترالية الحالية، وتتجه نحو تخيلات مستقبلية لأدوارهم، كما أظهر تكامل المنهجين رؤى كلية في العمليات السيالة الكامنة وراء بناء الهوية، إذ يتيح هذا التكامل الكشف عن أبعاد هويات المعلمين المهنية وطبقاتها بصورة لا يحققها منهج منفرد، وبذلك تسهم الدراسة في الخطاب الأكاديمي حول المنهجيات النوعية من جهة، وتقدم تصورًا أكثر دقة وتفصيلًا لكيفية تطور هوية المعلم المهاجر عبر مراحل حياته المهنية من جهة أخرى
ويتجلى البعد الزماني في هذا التشكّل حين يستعيد المعلمون خبراتهم المبكرة في تعلم الإنجليزية ببلدانهم الأصلية وخبراتهم في الهجرة والاندماج، فيجدون أنها ليست ماضيًا منقطعًا بل طبقات حية تعيد تشكيل ممارساتهم الصفية الحالية وعلاقاتهم بطلابهم وزملائهم، بينما يتجلى البعد العلائقي في تفاعلاتهم اليومية مع مؤسسات تقيّم لغتهم وهوياتهم باستمرار، والبعد الجسدي في حضورهم بأصوات ولهجات تحمل علامات مساراتهم الحياتية، أما التخيلات المستقبلية فتمنح الهوية اتجاهًا وحركة، إذ يعيد المعلمون عبرها التفاوض مع صورهم الذاتية وطموحاتهم المهنية، فتغدو الهوية مشروعًا مفتوحًا لا صفة ثابتة تلتصق بهم عند التعيين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل الدراسة مضامين عملية لسياسات التعليم وإعداد المعلمين ومنظومات الدعم، إذ يمكن أن تستنير بها برامج التأهيل المهني للمعلمين المهاجرين بحيث تراعي مساراتهم الحياتية وخبراتهم السابقة بدل معاملتهم فئة متجانسة، كما يقدم النهج المنهجي المقترح للباحثين النوعيين نموذجًا للجمع المثمر بين منهجين تأويليين في دراسة الظواهر الهوياتية المعقدة، وتفيد المنظورات الدقيقة التي يوفرها هذا النهج في إثراء الاستراتيجيات والتدخلات التعليمية بين الثقافات، بما يعزز اندماج المعلمين من خلفيات متنوعة واعتراف المؤسسات بخبراتهم بوصفها موردًا تعليميًا لا عبئًا يحتاج إلى تصحيح
ويمتد الدرس المنهجي لهذه الدراسة إلى حقول أخرى تدرس الهويات المهنية المتحولة كالأطباء والمهندسين والعاملين الاجتماعيين من خلفيات مهاجرة، إذ تواجه هذه الحقول الثنائيات الاختزالية ذاتها وتحتاج إلى أدوات تلتقط السيولة والتراكم الزمني، ويمكن لمؤسسات إعداد المعلم أن توظف الاستقصاء السردي ذاته أداة تأهيلية، فحين يروي المعلمون المتدربون حكاياتهم المهنية ويتأملونها جماعيًا يتعزز وعيهم بموارد خبراتهم ويضعف شعورهم بالنقص أمام نموذج الناطق الأصلي، وبذلك تتحول الهوية من موضوع للدراسة إلى مورد للتعلم المهني المستمر والدعم النفسي والاجتماعي داخل مجتمعات الممارسة
وخلاصة القول إن الجمع بين الظاهراتية التأويلية والاستقصاء السردي يفتح نافذة عميقة على تشكّل الهوية المهنية لمعلمي اللغة المهاجرين بوصفها رحلة زمنية سيالة متعددة الأبعاد، وإن تجاوز الثنائيات الجاهزة شرط لفهم هذه الهويات فهمًا منصفًا، ومن ثم تقدم الدراسة إسهامًا منهجيًا وموضوعيًا يفيد الباحثين والمعلمين وصنّاع سياسات التعليم في سياقات التنوع الثقافي المتنامي








