يؤكد التحول الرقمي الشامل في المجتمع الدور الحاسم للبيانات وأثرها الكبير في صنع القرار عبر مجالات مختلفة، ولذلك يصبح من الضروري أن يكتسب الأفراد كفاءات راسخة في التعامل مع البيانات وقراءتها وتوظيفها، وتبرز هذه الحاجة بصورة خاصة في التعليم من الروضة إلى الصف الثاني عشر، حيث يمكن للانخراط المبكر في البيانات والإحصاء أن يضع فهمًا تأسيسيًا لمساع أكاديمية ومهنية مستقبلية، فضلًا عن تزويد المتعلمين بمهارات نقدية لازمة للتنقل في تعقيدات الحياة اليومية واتخاذ قرارات مستنيرة في مجتمع غني بالبيانات، وتفحص هذه المراجعة المنهجية حالة البحث في محو الأمية الإحصائية ومحو أمية البيانات في تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت المراجعة إلى فحص حالة البحث في محو الأمية الإحصائية ومحو أمية البيانات في تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات من الروضة إلى الصف الثاني عشر، مع التركيز بصورة خاصة على المقاييس المعرفية والوجدانية والسلوكية والمداخل البيداغوجية المدروسة تجريبيًا في هذا السياق، واعتمدت عملية اختيار صارمة حددت وركبت ثلاثة وثمانين بحثًا تجريبيًا أصليًا، كما دعت المراجعة مؤلفي هذه الدراسات إلى مشاركة منظوراتهم حول استراتيجيات مستقبلية لمعالجة محو الأمية الإحصائية ومحو أمية البيانات وتطويرها
وتتوزع المقاييس التي رصدتها المراجعة في الدراسات المشمولة على ثلاثة أبعاد متكاملة، فالبعد المعرفي يقيس فهم المتعلمين للمفاهيم الإحصائية وقدرتهم على قراءة البيانات وتفسيرها، والبعد الوجداني يلتقط اتجاهاتهم ودوافعهم وثقتهم في التعامل مع البيانات، والبعد السلوكي يرصد ممارساتهم الفعلية حين يجمعون البيانات ويحللونها ويعرضونها، وهذا التعدد في المقاييس يعكس نضج المجال واتساعه لكنه يفسر أيضًا صعوبة المقارنة بين الدراسات وغياب لغة قياس موحدة تجمع الباحثين على تعريفات إجرائية مشتركة
ثانيًا: أبرز النتائج
أشارت النتائج إلى أن الدراسات المشمولة تركز بصورة رئيسة على بناء محو الأمية الإحصائية الذي يقاس بمجموعة متنوعة من المقاييس ضمن سياق تعليم الرياضيات في الغالب، وحددت المراجعة مداخل بيداغوجية فعالة مثل حل المشكلات الأصيل ودمج بيانات العالم الحقيقي في أنشطة التعليم والتعلم، وأكد الباحثون الذين شملهم المسح أهمية التدريس متعدد التخصصات والمناهج المكيفة وتحسين التطوير المهني للمعلمين قبل الخدمة وأثناءها، كما لاحظت المراجعة أن المنظورات المتكاملة لمحو الأمية الإحصائية ومحو أمية البيانات داخل مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ما تزال محدودة رغم الأهمية المتنامية لهذا المجال
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد النتائج مطوري المناهج ومعدي المعلمين في أن بناء ثقافة البيانات لدى المتعلمين يحتاج إلى تجاوز حدود حصة الرياضيات نحو تدريس متعدد التخصصات يربط البيانات بالعلوم والتقنية وسياقات الحياة اليومية، وأن حل المشكلات الأصيل وبيانات العالم الحقيقي مدخلان مثبتان يستحقان التعميم في المناهج والممارسات، كما أن الاستثمار في التطوير المهني للمعلمين قبل الخدمة وأثناءها شرط لنجاح أي منهج مكيف، وتدعو المراجعة الباحثين إلى بناء منظورات متكاملة تجمع محو الأمية الإحصائية ومحو أمية البيانات في إطار واحد يغطي أبعادها المعرفية والوجدانية والسلوكية
كما أن دعوة المراجعة مؤلفي الدراسات المشمولة إلى مشاركة منظوراتهم حول الاستراتيجيات المستقبلية أضافت إلى نتائجها بعدًا استشرافيًا نادرًا في المراجعات المنهجية، فقد جاءت توصيات الميدان نفسه مؤكدة أولوية التدريس متعدد التخصصات الذي يحرر محو أمية البيانات من احتكار مادة الرياضيات، وضرورة تكييف المناهج مع سياقات المتعلمين ومستوياتهم، والاستثمار في التطوير المهني للمعلمين قبل الخدمة وأثناءها بوصفهم حملة هذا التحول، وهي توصيات تتكامل مع ما وجدته المراجعة من فعالية حل المشكلات الأصيل وبيانات العالم الحقيقي في بناء كفاءات المتعلمين
وتستدعي محدودية المنظورات المتكاملة التي رصدتها المراجعة وقفة بحثية جادة، فمحو أمية البيانات ما يزال أسير مادة الرياضيات إلى حد كبير رغم أن البيانات تتولد وتوظف في العلوم والتقنية والهندسة بذات القدر من الكثافة، ومن شأن بحوث عابرة للمواد أن تبني لدى المتعلم قدرة على نقل كفاءاته الإحصائية بين السياقات المختلفة وتوظيفها فيها، وهو ما تنادي به الأدبيات التربوية المعاصرة من تكامل بين المواد الدراسية، وتقدم المراجعة بذلك خريطة طريق تحدد أين يقف المجال اليوم وأين ينبغي أن يتجه غدًا
وخلاصة القول إن البحث في محو الأمية الإحصائية ومحو أمية البيانات في تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات مجال متنام ما يزال مرتكزًا على الرياضيات وعلى مقاييس متنوعة غير موحدة، وإن تقدمه رهين بمداخل بيداغوجية أصيلة ومناهج مكيفة وتطوير مهني جاد للمعلمين، وبمنظورات متكاملة تنقل ثقافة البيانات من موضوع تخصصي ضيق إلى كفاءة عابرة للمواد يحتاجها كل متعلم في مجتمع البيانات المعاصر








