لطالما تمتع الأكاديميون بأصوات قوية في هيئات صنع القرار الجامعي، إذ شاركوا تقليديًا في الحوكمة المشتركة للجامعة، ومثّل كبارهم في الأجهزة الإدارية ومارسوا السيطرة على مجالات رئيسة كالاستراتيجية والمالية وضمان الجودة والبرامج الدراسية والموارد البشرية، غير أن إصلاحات الإدارة العامة الجديدة التي اجتاحت أنظمة التعليم العالي قلّصت سلطة الأكاديميين وعززت التوجيه الإداري، ورافقت ذلك زيادة في الاستقلالية المؤسسية للجامعات، وفي الوقت ذاته ازدادت قوة أصحاب مصلحة آخرين كالطلاب وممثلي القطاعات الإنتاجية بدرجات ووتائر متفاوتة عبر الأنظمة، وفي هذا السياق تفحص الدراسة موضع فئة كثيرًا ما تهمش في أدبيات الحوكمة، وهم الباحثون في بدايات مسيرتهم المهنية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الدور الذي يؤديه الباحثون في بدايات مسيرتهم المهنية بوصفهم أصحاب مصلحة داخليين في هيئات صنع القرار الجامعي عبر دول مختلفة، وإلى تقدير مدى إدراكهم بأن أصواتهم مسموعة في هذه الهيئات، واستندت الدراسة إلى سبع دراسات حالة من سبع دول أوروبية وشرق متوسطية، وجمعت بياناتها من المصادر الوثائقية ومن خمس وخمسين مقابلة شبه مقننة مع الباحثين المستهدفين وأربع عشرة مقابلة مع مديرين، أجريت خلال عامي ألفين وثلاثة وعشرين وألفين وأربعة وعشرين، وحللت الدراسة البيانات في ضوء تصنيف أصحاب المصلحة بحسب شرعيتهم وإلحاح مطالبهم وقوتهم، بما أتاح مقارنة منهجية بين سياقات وطنية ومؤسسية متنوعة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج تباينًا بين دراسات الحالة فيما يتصل بالتمثيل الرسمي للباحثين في بدايات مسيرتهم المهنية، إذ اتضح أن معظم الجامعات المشمولة بالدراسة تمنحهم تمثيلًا محدودًا في هيئات صنع القرار على مستوى الجامعة ومستوى الكليات والمدارس، رغم حضورهم العددي الكبير في قوام البحث والتدريس، غير أن النتائج بينت في المقابل أن أصوات هؤلاء الباحثين تصل وتؤثر عبر قنوات غير رسمية، كالتواصل المباشر مع القيادات والشبكات المهنية واللجان المؤقتة، وهو ما يشير إلى فجوة بين الاعتراف الرسمي بمكانتهم والتأثير الفعلي الذي يمارسونه في بيئتهم المؤسسية اليومية
ويبرز في النتائج تقابل لافت بين ضعف الحضور الرسمي وقوة الحضور غير الرسمي لهذه الفئة، إذ بينما تغلق أمامهم أبواب المجالس واللجان صاحبة القرار في أغلب الحالات المدروسة، يجدون منافذ تأثير جانبية عبر العلاقات المهنية والتمثيل في جمعيات الباحثين والتواصل المباشر مع القيادات الأكاديمية، غير أن الاعتماد على هذه القنوات يجعل تأثيرهم متفاوتًا وهشًا، يرتبط بالسياقات المحلية لكل جامعة وبمدى انفتاح قياداتها، وهو ما يفسر التباين الملحوظ بين دراسات الحالة السبع في مستويات التمثيل والمشاركة الفعلية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة لحوكمة الجامعات المعاصرة، فهي تلفت إلى أن إصلاحات الإدارة العامة الجديدة أعادت توزيع القوة داخل الجامعة دون انتباه كاف إلى فئة الباحثين في بدايات مسيرتهم، رغم أنهم يمثلون مستقبل المهنة الأكاديمية وقاعدتها المتجددة، وتدعو النتائج صانعي السياسات الجامعية إلى مراجعة أطر التمثيل الرسمي بما يضمن حضورًا مؤسسيًا أوضح لهذه الفئة في مجالس الجامعات والكليات، وإلى عدم الاكتفاء بالقنوات غير الرسمية التي يظل أثرها رهينًا بالعلاقات الشخصية والسياقات المحلية المتقلبة، كما تفتح الدراسة المجال أمام مقارنات أوسع بين أنظمة التعليم العالي في العالم حول تمكين الأجيال الأكاديمية الصاعدة
وعلى صعيد التطبيق تمنح الدراسة قيادات الجامعات والهيئات التمثيلية مرآة نقدية لمراجعة سياسات المشاركة الداخلية، فتمثيل الباحثين في بدايات مسيرتهم ليس مطلبًا فئويًا ضيقًا، بل استثمار في شرعية القرارات الجامعية ذاتها وجودتها، إذ تصدر قرارات الاستراتيجية والجودة والبرامج في غياب من سيتحمل نتائجها لأطول مدة زمنية، كما تفيد نتائج الدراسة اتحادات الباحثين وجمعياتهم المهنية في بناء مطالب مؤسسية موثقة بالدليل المقارن، وتدفع أنظمة التعليم العالي إلى مواءمة أطر حوكمتها مع مبادئ المشاركة الواسعة التي تتبناها في خطابها المعلن وسياساتها المعلنة
كما يلاحظ أن الأصوات غير الرسمية، مهما بلغ تأثيرها الآني في بعض المواقف، تظل مقيدة بغياب الحق المؤسسي في الاعتراض والتصويت والمساءلة، فهي تؤثر في أجواء القرار دون أن تشارك في صنعه بصورة رسمية ملزمة، وتلك حدود بنيوية تجعل المطالبة بالتمثيل الرسمي لهذه الفئة مطلبًا متماسكًا لا يمكن أن تستبدل به قنوات التأثير الجانبية مهما اتسع نطاقها وتنوعت صورها
وخلاصة القول إن الدراسة كشفت مفارقة جوهرية في حوكمة الجامعات اليوم، فالباحثون في بدايات مسيرتهم قليلو التمثيل رسميًا لكنهم حاضرون تأثيرًا عبر قنوات غير رسمية، وسد هذه الفجوة شرط لبناء حوكمة جامعية أكثر شمولًا وعدالة








