تنطلق هذه الدراسة من نظرية العزم الذاتي التي تقر بأن للوالدين أثرًا جوهريًا في الرفاه النفسي للأبناء، وتسعى إلى تحليل الفروق بين الجنسين في السلوكيات الوالدية، وتقييم كيفية تأثير هذه السلوكيات وجنس الأبناء في التكيف العاطفي لديهم، ويشمل التكيف العاطفي في هذه الدراسة ثلاثة مظاهر هي عدم الاستقرار العاطفي والسلوك الاجتماعي الإيجابي والعدوان الجسدي واللفظي، وتكتسب الدراسة أهميتها من كونها تفحص أثر كل من الأم والأب على حدة بدل التعامل مع الوالدية كتلة واحدة متجانسة، ومن ضخامة عينتها التي تمنح نتائجها وزنًا استدلاليًا كبيرًا وقدرة أوسع على رصد فروق دقيقة قد لا تظهر في العينات الصغيرة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى الكشف عن الفروق المرتبطة بجنس الوالدين في أبعاد الممارسات الوالدية، كدعم الاستقلالية وتوفير بيئة أسرية منظمة وإظهار المودة، وبيان مدى إسهام هذه الأبعاد وجنس الأبناء في التنبؤ بمظاهر التكيف العاطفي، واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي المقارن، وتكونت عينتها من ألفين وأربعمائة وأربعة من الوالدين وألف وثلاثمائة وخمسة وعشرين من الأبناء، وجمعت البيانات حول تصورات الوالدين لممارساتهم وتقييماتهم لتكيف أبنائهم العاطفي، ثم عولجت البيانات إحصائيًا لفحص الفروق الدالة إحصائيًا بين الأمهات والآباء، واختبار عوامل الحماية والخطورة المرتبطة بمظاهر ضعف التكيف لدى الأبناء
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الأمهات يتصورن أنفسهن أكثر دعمًا لاستقلالية الأبناء وأكثر توفيرًا لبيئة أسرية منظمة وأكثر إظهارًا للمودة مقارنة بالآباء، ووجدت الدراسة فروقًا دالة إحصائيًا بحسب جنس الأبناء في مظاهر التكيف العاطفي، وبينت النتائج أن الدفء الأمومي وتوفير الأم لبيئة أسرية منظمة كانا عاملي حماية من ارتفاع عدم الاستقرار العاطفي لدى الأبناء، في حين لم تظهر للممارسات الأبوية أثر في هذا المظهر تحديدًا، وكان التحكم الأمومي والأبوي معًا عامل خطورة يسهم في نشوء مستويات مرتفعة من عدم الاستقرار العاطفي، بينما كان توفير الأب لبيئة أسرية داعمة للاستقلالية عامل حماية من تطور مستويات مرتفعة من العدوان الجسدي واللفظي لدى الأبناء
وتكتسب هذه النتائج وزنها من اتساع قاعدة البيانات التي استندت إليها، إذ قلما تجمع دراسة في الممارسات الوالدية بين هذا العدد من الوالدين والأبناء في تصميم واحد، بما يسمح برصد فروق دقيقة بين الأمهات والآباء لا تظهر عادة في الدراسات محدودة العينات، كما أن شمول مظاهر التكيف المدروسة لعدم الاستقرار العاطفي والعدوان والسلوك الاجتماعي الإيجابي منح الصورة تكاملًا واضحًا، فالممارسة الوالدية الواحدة قد تكون حامية في مظهر ومحايدة في مظهر آخر، وهو ما ظهر في تمايز أثر الدفء الأمومي في عدم الاستقرار العاطفي عن أثر دعم الأب للاستقلالية في العدوان
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج أن أثر الأم والأب في التكيف العاطفي للأبناء أثر متمايز لا متماثل، فلكل منهما مواضع قوة ينبغي البناء عليها في برامج الإرشاد الأسري والتدخل الوقائي، إذ يفيد مصممي البرامج الموجهة إلى الأسر أن تعزيز دفء الأم وتنظيمها للبيئة الأسرية ودعم الأب لاستقلالية الأبناء يمثل مداخل واعدة لحماية الأبناء من عدم الاستقرار العاطفي والعدوان، بينما يستدعي التحكم الوالدي المفرط من الجانبين الانتباه بوصفه عامل خطورة مشتركًا يستحق المعالجة في التدخلات الأسرية، كما تدعو النتائج الباحثين إلى مراعاة جنس الوالدين وجنس الأبناء معًا عند دراسة الممارسات الوالدية وآثارها النمائية، بدل إغفال أحد هذين البعدين
وتفيد هذه الخريطة التفصيلية لأدوار الوالدين العاملين في الإرشاد الأسري وتربية الأبناء إفادة مباشرة، إذ يمكن في ضوئها بناء جلسات توعية تخاطب الأمهات والآباء بوصفهما شريكين مختلفي الأدوار لا نسختين مكررتين من دور واحد، وتصميم تدخلات مبكرة للأسر التي يظهر لدى أبنائها عدم استقرار عاطفي مرتفع أو سلوك عدواني متنام، وتدريب الوالدين على بدائل للتحكم المفرط كالتوجيه الهادئ والحوار ووضع حدود واضحة متسقة يدركها الأبناء، كما تنبه النتائج العاملين في المدارس وخدمات الإرشاد إلى قراءة سلوك الأبناء في ضوء مناخهم الأسري وخصوصية علاقة كل من الوالدين بهم
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت صورة دقيقة للأدوار الوالدية المتمايزة في تشكيل التكيف العاطفي للأبناء، وأظهرت أن الحماية من عدم الاستقرار العاطفي تتحقق أساسًا عبر الدفء الأمومي والتنظيم الأسري ودعم الاستقلالية، بينما يظل التحكم المفرط وجهًا للخطورة يستحق المعالجة








