تعتمد اقتصادات نامية كثيرة على العمالة الأجنبية منخفضة المهارة اعتمادًا واسعًا في قطاعاتها الإنتاجية والخدمية، ويثير هذا الاعتماد تساؤلات حول أثره في إنتاجية العمل وفي حوافز تطوير القوى العاملة المحلية، وفي ماليزيا يتداخل هذا الأثر مع أثر انخفاض التحصيل التعليمي لدى شريحة من العمالة المحلية، بما يجعل العلاقة بين توظيف الأجانب والإنتاجية القطاعية علاقة معقدة قد لا تكون متماثلة في اتجاهي الزيادة والنقصان، وفي هذا السياق فحصت الدراسة الآثار غير المتماثلة لتوظيف العمالة الأجنبية ولانخفاض التحصيل التعليمي في إنتاجية العمل عبر القطاعات الاقتصادية الرئيسة الثلاثة في ماليزيا وهي الزراعة والصناعة والخدمات، عبر مدة زمنية طويلة تسمح بتمييز الآثار قصيرة الأجل عن الآثار طويلة الأجل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقدير الآثار قصيرة الأجل وطويلة الأجل لتوظيف العمالة الأجنبية ولانخفاض مستوى التعليم في إنتاجية العمل في كل قطاع على حدة، والتحقق من وجود آثار غير متماثلة تختلف باختلاف اتجاه التغير في التوظيف، واعتمدت على بيانات امتدت من عام ألف وتسعمئة وواحد وتسعين إلى عام ألفين وتسعة عشر، وقدرت ثلاثة نماذج قطاعية باستخدام نموذج الانحدار الذاتي للإبطاءات الموزعة غير الخطي الذي يتيح فصل أثر الزيادات عن أثر النقصانات، واستكملت الدراسة التحليل برسوم المضاعفات الخاصة بالنموذج وباختبارات فالد للتحقق من دلالة الآثار غير المتماثلة طويلة الأجل ومن قوتها التفسيرية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج تباينًا واضحًا بين القطاعات، ففي قطاع الزراعة عززت التغيرات الموجبة في توظيف العمالة الأجنبية الإنتاجية في الأجلين القصير والطويل، في حين أدت التغيرات السالبة إلى انخفاض الإنتاجية في الأجل الطويل، وأثر التعليم الابتدائي سلبًا في إنتاجية الزراعة طويلة الأجل، أما في قطاع الصناعة فلم يكن لتوظيف العمالة الأجنبية ولا لانخفاض التحصيل التعليمي أثر دال في الإنتاجية، وفي قطاع الخدمات رفعت زيادة توظيف الأجانب الإنتاجية في الأجل القصير، بينما عزز خفض التوظيف الإنتاجية في الأجل الطويل، وكان غياب التعليم الرسمي ضارًا بإنتاجية الخدمات طويلة الأجل، وأثر التعليم الابتدائي سلبًا في الأجل القصير، وأكدت رسوم المضاعفات واختبارات فالد وجود آثار غير متماثلة دالة طويلة الأجل للعمالة الأجنبية في قطاعي الزراعة والخدمات دون قطاع الصناعة
ويكتسب التباين بين القطاعات أهميته من اختلاف طبيعة العمل في كل منها، فالزراعة التي تعتمد على عمالة موسمية كثيفة تستجيب بسرعة لتغيرات توظيف الأجانب زيادة ونقصانًا، والخدمات تظهر حساسية مزدوجة الاتجاه بين الأجلين القصير والطويل، بينما تبدو الصناعة أقل تأثرًا بهذه المتغيرات بما يشير إلى إحكام عوامل أخرى في إنتاجيتها، ويعني وجود آثار غير متماثلة أن سياسات التوظيف لا يمكن تقويمها بمتوسطات عامة، لأن أثر رفع التوظيف لا يعاكس ببساطة أثر خفضه في الحجم ولا في التوقيت
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى دلالة سياساتية مركزية مفادها أن على ماليزيا أن تخفف اعتمادها على العمالة منخفضة المهارة وأن تسرع انتقالها نحو قوة عاملة عالية المهارة، حفاظًا على نمو الإنتاجية وتعزيزًا للقدرة التنافسية الاقتصادية، وتبين النتائج أن سياسات التوظيف والتعليم لا يمكن أن تعامل بمعزل عن الخصوصية القطاعية، فما يصلح للخدمات قد لا يصلح للزراعة أو الصناعة، وأن رفع مستويات التعليم والتدريب شرط مصاحب لأي إصلاح في سياسات العمالة الأجنبية حتى لا يتحول خفض الاعتماد عليها إلى عبء على الإنتاجية في الأجل القصير قبل أن تظهر مكاسبه في الأجل الطويل، وهو توازن دقيق ينبغي أن تراعيه خطط التحول الاقتصادي
وتتصل هذه النتائج بسؤال أوسع تواجهه الاقتصادات المعتمدة على العمالة الوافدة منخفضة المهارة، وهو كيفية الانتقال التدريجي إلى نموذج إنتاجي عالي المهارة دون إرباك القطاعات التي اعتادت النموذج القديم، وتقدم الدراسة لهذا السؤال أساسًا قياسيًا يحدد مواضع الحساسية القطاعية وتوقيت ظهور الآثار، بما يعين واضعي السياسات على ترتيب الإصلاحات وتدرجها، وربط سياسات التعليم والتدريب بسياسات سوق العمل ربطًا مباشرًا يجعل رفع مهارات المواطنين بديلًا حقيقيًا لا شعارًا موازيًا لاستمرار الاعتماد على العمالة الرخيصة
وخلاصة القول إن أثر العمالة الأجنبية في إنتاجية العمل في ماليزيا أثر غير متماثل يختلف باختلاف القطاع واتجاه التغير وأفقه الزمني، وإن الإفراط في الاعتماد على العمالة منخفضة المهارة مقترنًا بانخفاض التحصيل التعليمي يهدد استدامة نمو الإنتاجية، ما يجعل الاستثمار في تأهيل القوى العاملة المحلية ورفع مهاراتها خيارًا استراتيجيًا لا ترفًا تنمويًا








