أصبح التعلم عبر الإنترنت منتشرًا في جميع أنحاء العالم، غير أن البحوث السابقة أهملت العلاقة بين الاستخدام الفعلي لهذا التعلم والمخاوف الأمنية المصاحبة له، وظل ضعف وعي المتعلمين بالأمن أثناء استخدامهم تقنيات التعلم نادرًا ما يدرس رغم ما ينطوي عليه من مخاطر تمس بيانات الطلاب وخصوصيتهم، وتتناول هذه الدراسة العوامل المنبئة بنجاح التعلم عبر الإنترنت لدى طلاب التعليم العالي في العراق، عبر دمج نموذج نجاح نظم المعلومات مع إطار مثلث الأمن، بما يربط بين جودة النظام المعلوماتي وأمنه من جهة واستخدام الطلاب الفعلي للتعلم الإلكتروني من جهة أخرى
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التنبؤ باستخدام الطلاب للتعلم عبر الإنترنت وفهم عوامل نجاحه، عبر دمج نموذج ديلون وماكلين لنجاح نظم المعلومات مع إطار مثلث الأمن، وجمعت البيانات من 2451 طالبًا في التعليم العالي يدرسون في جامعات مختلفة وضمن تخصصات متنوعة واسعة في العراق، وحللت البيانات بنمذجة المعادلات البنائية لاختبار فاعلية عوامل نموذج نجاح نظم المعلومات من جهة، وأثر أبعاد مثلث الأمن الثلاثة وهي السرية والنزاهة والتوافر في استخدام الطلاب للتعلم عبر الإنترنت من جهة أخرى، وهو دمج يعالج فجوة في الأدبيات أهملت البعد الأمني وسلوك المتعلمين الأمني بوصفهما جزءًا من نجاح منظومات التعلم الإلكتروني وانتشار استخدامها في مؤسسات التعليم العالي
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج المستندة إلى نمذجة المعادلات البنائية، إلى جانب فاعلية عوامل نموذج نجاح نظم المعلومات، أن أبعاد مثلث الأمن الثلاثة وهي السرية والنزاهة والتوافر كانت منبئات دالة باستخدام الطلاب للتعلم عبر الإنترنت، وهو ما يعني أن شعور الطالب بأن بياناته سرية ومحمية وأن المعلومات المتاحة له سليمة وموثوقة وأن النظام متاح عند الحاجة يزيد من إقباله على استخدام التعلم الإلكتروني والاستمرار فيه، وتؤكد هذه النتيجة أن الأمن ليس طبقة تقنية خارجية عن تجربة التعلم بل عنصر مكون لها يؤثر في قرارات المتعلمين وسلوكهم، وأن إهماله قد يحد من الاستفادة الفعلية من استثمارات الجامعات في منصات التعلم الرقمية مهما بلغت جودة محتواها وتصميمها
وتضيف هذه النتيجة بعدًا غائبًا إلى نقاشات التحول الرقمي في الجامعات العراقية والعربية عمومًا، إذ كثيرًا ما تركز خطط التعلم الإلكتروني على توفير المنصات والمحتوى والتدريب التقني بينما يبقى شعور الطالب بالأمان الرقمي خارج الحساب، في حين تبين الدراسة أن هذا الشعور جزء من البنية الدافعة للاستخدام ذاته، كما أن اتساع العينة لتشمل 2451 طالبًا من جامعات وتخصصات متنوعة يمنح النتائج قابلية للتعميم داخل سياق التعليم العالي العراقي، ويتيح مقارنات مستقبلية بين الجامعات والتخصصات حول أي أبعاد الأمن أشد ارتباطًا بسلوك الطلاب الرقمي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات عملية للمؤسسات الأكاديمية ومطوري منصات التعلم، فهي تساعد المنظمات الأكاديمية على فهم العوامل التي تقود إلى التطبيق الناجح للتعلم عبر الإنترنت وإلى رفع وعي المتعلمين بالأمن، وتدعو الجامعات إلى تضمين متطلبات السرية والنزاهة والتوافر في خطط التحول الرقمي منذ التصميم لا بوصفها إضافات لاحقة، وإلى توعية الطلاب بممارسات الاستخدام الآمن للتقنيات التعليمية باعتبارها جزءًا من كفاءتهم الرقمية، كما تفيد الدراسة الباحثين بإطار مدمج يجمع بين نجاح نظم المعلومات والأمن يمكن توظيفه في سياقات تعليمية أخرى، وتفتح الباب أمام بحوث لاحقة تتناول وعي أعضاء هيئة التدريس بالأمن وعلاقة البعد الأمني بتحصيل الطلاب ورضاهم عن التعلم الإلكتروني
ويمكن للجامعات أن تحول هذه النتائج إلى ممارسات محددة كاعتماد المصادقة المتعددة وحماية حسابات الطلاب وإشعارهم الفوري بأي وصول غير معتاد وتبسيط قنوات الإبلاغ عن الحوادث الأمنية، إلى جانب وحدات قصيرة في الوعي الرقمي تستهدف الطلاب الجدد، وبذلك يصبح الأمن الرقمي جزءًا من تجربة الطالب التعليمية اليومية لا إجراء تقنيًا خفيًا تتولاه إدارات تقنية المعلومات وحدها بعيدًا عن وعي المستخدمين
وتبقى متابعة وعي الطلاب الأمني عبر سنوات الدراسة مدخلًا لبحوث لاحقة تربط هذا الوعي بالتحصيل الأكاديمي وبالرضا العام عن تجربة التعلم الرقمي في الجامعات العراقية
وخلاصة القول إن نجاح التعلم عبر الإنترنت لدى طلاب التعليم العالي في العراق لا يتوقف على جودة النظام المعلوماتي وحده، بل تتنبأ به أيضًا أبعاد الأمن الثلاثة وهي السرية والنزاهة والتوافر، وهو ما يجعل بناء منصات آمنة ورفع وعي المتعلمين بالأمن شرطين متلازمين لانتشار التعلم الإلكتروني وفاعليته
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
