يعد القلق من أكثر الظواهر إضعافًا وإحباطًا في تعلم اللغات الأجنبية، إذ يشكل أحد أهم العوائق التي تحول دون تقدم المتعلمين وثقتهم بأنفسهم عند استخدام اللغة الجديدة، ورغم وفرة الأدبيات حول قلق اللغة فإن القليل من البحوث تناول العلاقة بين التعدد اللغوي والكفاءة اللغوية وقلق اللغة الأجنبية، وتتناول هذه الدراسة قلق اللغة لدى طلاب جامعيين جزائريين متعددي اللغات يدرسون اللغة الإنجليزية، في سياق تعليمي متعدد اللغات تتعايش فيه العربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية، بما يتيح فهمًا أدق للعوامل المرتبطة بهذا القلق وسبل التخفيف منه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم درجة قلق اللغة الإنجليزية لدى طلاب جامعيين جزائريين متعددي اللغات، واستكشاف عوامل القلق الرئيسة لديهم، مع مراعاة ثلاثة متغيرات أساسية هي الانتماء الإثني والكفاءة اللغوية والتخصص الجامعي، وشارك في الدراسة 471 طالبًا جامعيًا تراوحت أعمارهم بين 19 و24 عامًا من تخصصات العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية والعلوم التطبيقية، واستخدمت الدراسة مقياسًا لقلق اللغة الأجنبية مكوّنًا من 23 فقرة تم التحقق من صدقها، موزعة على ثلاثة عوامل هي قلق التواصل والخوف من الفشل والتجارب السلبية، وجمعت البيانات وحللت للوقوف على مستوى القلق العام وترتيب عوامله والفروق بين الطلاب تبعًا للمتغيرات المدروسة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن المشاركين يعانون عمومًا مستويات متوسطة من القلق اللغوي، وأن قلق التواصل جاء في المرتبة الأولى بوصفه الشكل الأكثر شيوعًا بين الطلاب، يليه الخوف من الفشل ثم التجارب السلبية، كما بينت النتائج وجود علاقة عكسية بين مستوى الطالب في اللغة الإنجليزية ودرجة قلقه، فكلما كان الطالب أقل قلقًا كان مستواه في الإنجليزية أكثر تقدمًا، ووجدت الدراسة أن الطلاب العرب أكثر قلقًا من الطلاب الأمازيغ، وأن التحدث بأكثر من لغة قد يجعل المتعلم أقل قلقًا عند تعلم لغة جديدة، في حين لم تظهر فروق دالة إحصائيًا بين تخصصات الطلاب الجامعية ومستويات القلق لديهم عبر التخصصات الطبيعية والإنسانية والتطبيقية
وتمنح هذه الصورة التفصيلية لعوامل القلق قيمة تشخيصية تتجاوز المتوسط العام، إذ يوجه تصدر قلق التواصل الانتباه إلى مواقف التحدث والتفاعل الصفي بوصفها بؤرة التوتر الأولى لدى المتعلمين، بينما يحيل الخوف من الفشل إلى حساسية الطلاب تجاه التقويم والأحكام، وتحيل التجارب السلبية إلى أثر المواقف المحرجة السابقة في تشكيل اتجاهاتهم الحالية، كما أن تباين القلق بحسب الانتماء الإثني يفتح نافذة لفهم أثر الخلفية اللغوية الأولى والخبرات التعليمية السابقة في تشكيل استعداد الطالب لخوض تجربة لغة أجنبية جديدة داخل بيئة جامعية متعددة اللغات بطبيعتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مباشرة لمعلمي اللغة الإنجليزية ومصممي المناهج في السياقات متعددة اللغات، إذ يتصدر قلق التواصل عوامل القلق فإن بناء مواقف تواصلية آمنة داخل القاعة وتشجيع التحدث دون خوف من الخطأ يمثلان أولوية تعليمية، كما تفيد النتائج في توجيه الدعم نحو الطلاب الأقل كفاءة لغوية بوصفهم الأكثر عرضة للقلق، وفي الاستفادة من الرصيد اللغوي المتعدد لدى الطلاب بوصفه عاملًا مخففًا للقلق لا عبئًا إضافيًا، وقدمت الدراسة توصيات مبنية على نتائجها يمكن أن يستفيد منها المعلمون والمشرفون التربويون، كما تفتح المجال أمام بحوث لاحقة تتناول استراتيجيات التدخل لخفض قلق اللغة وعلاقته بمتغيرات نفسية واجتماعية أخرى لدى فئات مختلفة من المتعلمين
ويمكن أن تنعكس هذه النتائج على برامج إعداد معلمي اللغة الإنجليزية وتدريبهم، بحيث تتضمن كفايات لرصد مظاهر القلق داخل القاعة والتعامل معها تربويًا قبل أن تتحول إلى تجنب للمشاركة أو انقطاع عن التعلم، كما يمكن لأقسام اللغة الإنجليزية في الجامعات الجزائرية أن تستفيد منها في تصميم أنشطة تواصل تدريجية تراعي مستويات الطلاب المختلفة وتستثمر تعددهم اللغوي مصدر قوة، وتظل الحاجة قائمة إلى دراسات طولية تتبع تغير القلق عبر سنوات الدراسة الجامعية وتربطه بالتحصيل الفعلي في مهارات اللغة الأربع
وخلاصة القول إن طلاب الجامعات الجزائريين متعددي اللغات يعانون قلقًا لغويًا متوسطًا يتصدره قلق التواصل، وإن هذا القلق يتناقص مع تقدم الكفاءة في الإنجليزية ومع التعدد اللغوي، ويتباين بحسب الانتماء الإثني دون أن يرتبط بالتخصص الجامعي، وهو ما يوجه جهود المعلمين نحو بيئات تواصل آمنة تدعم ثقة المتعلمين بأنفسهم
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
