فرضت جائحة كورونا على الأسر في مختلف دول العالم أدوارًا تعليمية جديدة، إذ وجد أولياء الأمور أنفسهم شركاء مباشرين في تعليم أبنائهم عبر المنصات الرقمية وأدوات التعلم عن بُعد، وأصبحت مهاراتهم الرقمية عاملًا حاسمًا في قدرتهم على متابعة تعلم أبنائهم ودعمه، وتتناول هذه الدراسة المهارات الرقمية لدى أولياء أمور الطلاب في المملكة العربية السعودية ومدى تطورها في سياق انتشار الجائحة، بوصفها قضية تمس جودة التعلم المنزلي وعدالة الفرص التعليمية بين الأسر، وتفتح الباب أمام فهم أعمق لاحتياجات أولياء الأمور التدريبية في البيئات التعليمية الرقمية المتسارعة التحول
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التعرف إلى مستوى المهارات الرقمية لدى أولياء أمور الطلاب ومدى تطورها في سياق انتشار جائحة كورونا، واستكشاف الفروق في هذه المهارات تبعًا لحالتهم الوظيفية وأعمارهم ومسؤوليتهم في تعليم أبنائهم، واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، وأعدت مقياسًا مكوّنًا من ثمانية أبعاد نظرية لقياس المهارات الرقمية، وطبقته على عينة قوامها 250 من أولياء أمور الطلاب السعوديين، وجمعت البيانات عبر نموذج إرسال إلكتروني، ثم حللت الاستجابات للوقوف على مستوى الأداء في كل بعد من أبعاد المقياس والفروق الدالة بين المجموعات بحسب المتغيرات المدروسة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج وجود تباين في أداء أفراد العينة عبر أبعاد المهارات الرقمية، إذ جاء أداؤهم مرتفعًا جدًا في أبعاد المهارات التشغيلية والمهارات الأدائية والمهارات البنائية المعرفية، كما كشفت النتائج عن فروق بين أثر استخدام الحاسوب في كل من المهارات الأدائية والمهارات البنائية المعرفية لدى أولياء الأمور، وبينت الدراسة اعتماد أولياء الأمور على مصادر رقمية بديلة في استكشاف المعلومات وصياغة المعرفة ومعالجتها ونقدها، وهو ما يتيح للمتعلم بلوغ المستوى المعرفي بمرونة أكبر وتحقيق أهداف التعلم، وأشارت النتائج كذلك إلى أن الإبحار المعرفي عبر الشبكة يمكن أن يتطور بفعل التدريبات المتنوعة عبر الإنترنت والألفة بالبرمجيات، غير أن ذلك يتطلب تنظيمًا ذاتيًا للبحث عن المعرفة المناسبة وتوظيفها في تجديد البنية المعرفية لدى المستخدم
ويستحق التفاوت بين الأبعاد وقفة تحليلية، فالأبعاد التي تصدرت أداء أولياء الأمور ترتبط بالتشغيل المباشر للأجهزة والتطبيقات وبالتعامل الأدائي مع الأدوات الرقمية وبناء المعرفة عبرها، وهي مهارات تعززت بالممارسة اليومية الكثيفة أثناء التعليم المنزلي في الجائحة، بينما ظلت أبعاد أخرى أقل حضورًا بما يشير إلى أن الخبرة العملية وحدها لا تكفي لبناء كفاءة رقمية متكاملة، كما أن رصد الفروق بحسب الحالة الوظيفية والعمر ومسؤولية التعليم يمنح الدراسة قيمة تشخيصية، إذ يحدد الفئات الأكثر حاجة إلى الدعم لئلا تتحول الفجوة الرقمية بين الأسر إلى فجوة تعليمية بين أبنائها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات عملية للمدارس والجهات التعليمية وأولياء الأمور على حد سواء، فارتفاع المهارات التشغيلية والأدائية لدى أولياء الأمور لا يلغي الحاجة إلى برامج موجهة لتطوير مهاراتهم في البحث عن المعلومات وتقويمها وتوظيفها في دعم تعلم أبنائهم، كما تبرز النتائج أهمية مراعاة الفروق المرتبطة بالحالة الوظيفية والعمر ومسؤولية التعليم عند تصميم برامج محو الأمية الرقمية للأسر، وتدعم فكرة الشراكة بين المدرسة والأسرة في البيئات الرقمية بحيث لا يقتصر دور ولي الأمر على المتابعة بل يمتد إلى الإرشاد المعرفي، وتفيد الدراسة الباحثين في تطوير مقاييس شاملة للمهارات الرقمية لدى أولياء الأمور ودراستها لدى فئات وسياقات أخرى
كما تفتح الدراسة المجال أمام سياسات تعليمية تستثمر ما تراكم لدى أولياء الأمور من خبرات رقمية أثناء الجائحة بدل تركها تتلاشى مع عودة التعليم الحضوري، عبر منصات تواصل مدرسية نشطة وأدلة إرشادية مبسطة وورش قصيرة عند الحاجة، ويمكن للباحثين البناء على مقياس الدراسة ذي الأبعاد الثمانية لتتبع تطور هذه المهارات طوليًا وربطها بتحصيل الأبناء واتجاهاتهم نحو التعلم الرقمي، ومقارنة السياق السعودي بسياقات عربية وأجنبية مماثلة مرت بالتجربة ذاتها
ومثل هذه البرامج القصيرة الموجهة أجدى من التعميمات العامة حين تراعي خصوصية كل فئة من أولياء الأمور وتربط التدريب مباشرة بمواقف تعليم أبنائهم اليومية
وخلاصة القول إن المهارات الرقمية لدى أولياء أمور الطلاب السعوديين جاءت مرتفعة جدًا في أبعادها التشغيلية والأدائية والبنائية المعرفية في سياق جائحة كورونا، مع تباين وفروق ترتبط بخصائصهم ومسؤولياتهم التعليمية، وهو ما يؤكد أن تمكين الأسرة رقميًا أصبح ركنًا أساسيًا في نجاح تعلم الأبناء داخل المنزل وخارجه
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
