يمثل الوصول إلى التعليم الجامعي فرصة نادرة لإعادة بناء الحياة داخل مؤسسات السجون، غير أن بعض الطلاب السجناء يعيشون وضعًا مركبًا لا يشبه أوضاع غيرهم، فهم يقيمون في سجن مفتوح ويغادرونه نهارًا للدراسة في الحرم الجامعي ثم يعودون إليه، فيتنقلون يوميًا بين عالمين متناقضين، عالم تقييدي صارم يحد من الوصول إلى المعلومات والتقنية، وعالم جامعي رقمي مكثف يفترض اتصالًا دائمًا وحرية كاملة في استخدام الأدوات، وتتناول هذه الدراسة سلوك المعلومات لدى مجموعة من هؤلاء الطلاب في سجن مفتوح بجنوب إنجلترا، بوصفها فئة لم تحظ باهتمام الدراسات السابقة التي ركزت على المتعلمين عن بُعد من داخل السجون المغلقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف سلوكيات المعلومات لدى الطلاب المقيمين في سجن مفتوح والمسموح لهم بالالتحاق بالجامعة في أيام الأسبوع، بما في ذلك كيفية تطور محو الأمية الرقمي لديهم عبر الزمن، وإلى تقويم الدعم الذي يقدمه موظفو الجامعة لهؤلاء الطلاب بقصد الخروج بتوصيات تفيد شراكات مماثلة بين السجون والجامعات، وجُمعت البيانات من سجلات تقدم تأملية أسبوعية ومن مقابلات متابعة مع الطلاب السجناء وعددهم ثمانية طلاب، ودُعمت بمقابلات مع موظفي الجامعة ذوي الصلة وعددهم خمسة موظفين، واستند التحليل إلى نظريات الإقصاء الرقمي وسلوك المعلومات الانتقالي والهويات الرقمية، بما يتيح فهم التجربة في بعديها المعرفي والاجتماعي معًا، وكيف يعيد الطالب تشكيل علاقته بالمعلومات وهو ينتقل بين بيئة السجن المقيدة وبيئة الجامعة المفتوحة تقنيًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج الأولية أن التحديات التي يواجهها هؤلاء الطلاب تنبع من التباين الحاد بين المشهد المعلوماتي التقييدي داخل السجن والبيئة الجامعية كثيفة الاعتماد على التقنية الرقمية، ويتفاقم هذا التباين بفعل ضغط الوقت المرتبط بالوصول المتقطع إلى الإنترنت، إذ لا يتصل الطالب بالشبكة إلا في فترات محدودة يضطر خلالها إلى إنجاز ما ينجزه غيره على مدار الساعة، ووجدت الدراسة أن الطلاب مطالبون بالتكيف المستمر مع تقنيات جديدة بينما هم أصلًا في خضم مرحلة انتقالية كبرى في حياتهم، وهو ما يضاعف العبء المعرفي والنفسي الواقع عليهم، كما تبين أن حظر الهواتف الذكية والتواصل الشبكي عبر الإنترنت قد يقود إلى وصمة اجتماعية تلحق بالطالب السجين وتعيق مشاركته الكاملة في مجتمع الطلاب الجامعي، لأنه يبدو مختلفًا عن أقرانه في أبسط ممارسات التواصل اليومي، ومع ذلك أظهر المشاركون عزيمة قوية على النجاح وإصرارًا لافتًا على استكمال دراستهم رغم كل هذه القيود المتراكبة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير الدراسة إلى أن عزيمة هؤلاء الطلاب يمكن أن تجد سندًا حقيقيًا إذا قدمت الجهات المؤسسية المعنية دعمًا موجهًا يراعي خصوصية وضعهم، كأن تهيئ الجامعات قنوات بديلة للوصول إلى المواد التعليمية عند انقطاع الاتصال، وأن تراعي جداول التسليم طبيعة الوصول المتقطع، وأن تدرب موظفيها على فهم القيود التي يعيشها الطالب السجين دون إشعاره بالوصمة، وتفيد هذه النتائج إدارات السجون المفتوحة والجامعات الشريكة لها في تصميم شراكات تعليمية أكثر واقعية، كما تفتح الباب أمام دراسات أوسع لسلوك المعلومات الانتقالي لدى فئات تعيش بين بيئتين متناقضتين، إذ لا تقتصر قيمة التجربة على سياق السجون وحده، بل تمتد إلى كل متعلم يتنقل بين عالم مقيد وعالم مفتوح
ويبرز في نتائج الدراسة أن المشكلة ليست في كفاءة الطلاب الرقمية وحدها، فهؤلاء يتعلمون ويتكيفون باستمرار، بل في بنية الوصول ذاتها التي تمنح طالبًا وقتًا متصلًا مفتوحًا وتمنح آخر نوافذ ضيقة متقطعة، ثم يُقاس الاثنان بمقاييس الجامعة ذاتها في الواجبات والمواعيد والتواصل مع الزملاء، ومن هنا وجهت الدراسة اهتمامها إلى تقويم دعم موظفي الجامعة نفسه، بوصفه الحلقة التي تستطيع المؤسسة تعديلها سريعًا لتخفيف الفجوة، سواء بإتاحة المواد دون اتصال أو بمرونة المواعيد أو بمنح الطلاب قنوات تواصل بديلة تحفظ مشاركتهم في الحياة الجامعية
وخلاصة القول إن تجربة الطالب المقيم في سجن مفتوح والدارس في الحرم الجامعي تجربة انتقالية مزدوجة، تصطدم فيها قيود المشهد المعلوماتي السجني بمتطلبات البيئة الجامعية الرقمية، وقد وثقت الدراسة هذا الاصطدام من داخل التجربة نفسها، وأبرزت أن نجاح هؤلاء الطلاب لا يتوقف على عزيمتهم الفردية وحدها، بل على مدى قدرة المؤسسات الشريكة على تقديم دعم واع بخصوصية أوضاعهم ومتدرج مع تطور كفاءتهم الرقمية
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
