تركزت المخاوف المتصاعدة من التضليل الإعلامي في الآونة الأخيرة على الوسائط التركيبية المولدة بالذكاء الاصطناعي مثل التزييف العميق، الذي يتيح إنتاج مقاطع مرئية وصوتية مزيفة يصعب على الجمهور تمييزها عن الحقيقية، وبينما يتسع حضور هذا النوع من المحتوى في خلاصات أخبار وسائل التواصل الاجتماعي، ما تزال كيفية معالجة الأفراد لأخبار التزييف العميق السياسية وتقييمهم لها والعوامل التي تجعل بعضهم أكثر قابلية للانخداع بها من غيرهم أسئلة تحتاج إلى فحص تجريبي دقيق، إذ لا تتوقف خطورة التزييف العميق على إقناع الجمهور بمحتوى كاذب فحسب، بل تمتد إلى آثار معرفية واتجاهية وسلوكية أوسع قد تعيد تشكيل علاقتهم بالأخبار كلها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة عبر تجارب أجريت عبر الإنترنت إلى فحص الكيفية التي يعالج بها الأفراد أخبار التزييف العميق السياسية ويقيمونها، والخصائص التي تتنبأ بقابليتهم للتأثر بها، والآثار المعرفية والاتجاهية والسلوكية المحتملة المترتبة على تعرضهم لها، وقد تعرض المشاركون في إطار التصميم التجريبي لمقاطع تزييف عميق سياسية مضمنة في خلاصات أخبار تحاكي بيئة وسائل التواصل الاجتماعي، ثم قيست استجاباتهم على مستويات متعددة شملت الشك في معلومات وسائل التواصل الاجتماعي، والمصداقية المدركة لأخبار التزييف العميق، والنية في التفاعل معها مشاركة أو تعليقًا أو إعجابًا، إلى جانب متغيرات فردية مرشحة للتنبؤ بهذه الاستجابات مثل التوجه السياسي وانحياز التأكيد والثقافة الإخبارية والألفة بقضايا الأخبار
ويمنح هذا التصميم الدراسة قدرة على تجاوز الاكتفاء بالانطباعات العامة حول خطورة التزييف العميق، إذ يتيح ملاحظة السلوك التقييمي الفعلي للجمهور وهو يواجه محتوى مزيفًا داخل سياق تصفح طبيعي، كما يتيح اختبار علاقات الوساطة بين المتغيرات، أي ما إذا كانت الثقافة الإخبارية تؤثر في التفاعل مع المحتوى المزيف بصورة مباشرة أم عبر قنوات وسيطة مثل الألفة بموضوعات الأخبار الراهنة
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج أن تضمين مقاطع التزييف العميق السياسية في خلاصات أخبار وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يخدع جمهور الأخبار بسهولة أو يدفعهم إلى حالة من عدم اليقين تجاه ما يشاهدونه، وأن التوجه السياسي وانحياز التأكيد والثقافة الإخبارية تؤثر جميعًا تأثيرًا دالًا في شك الجمهور تجاه معلومات وسائل التواصل الاجتماعي، وفي مصداقية أخبار التزييف العميق كما يدركونها، وفي نيتهم في التفاعل معها، كما أظهرت النتائج أن الألفة بقضايا الأخبار تؤدي وساطة كاملة في العلاقة بين الثقافة الإخبارية والتفاعل مع أخبار التزييف العميق، بمعنى أن أثر امتلاك الفرد ثقافة إخبارية في كيفية تفاعله مع المحتوى المزيف يمر بكامله عبر مدى ألفته بموضوعات الأخبار ذاتها، وهي نتيجة دقيقة تضيء آلية عمل الثقافة الإخبارية بدل افتراض أنها تعمل مباشرة أو بمعزل عن المعرفة الموضوعية بالقضايا المتداولة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز هذه النتائج أن مواجهة التضليل المولد بالذكاء الاصطناعي لا تكون بالتقنيات الكاشفة وحدها، إذ يتشكل انخداع الجمهور أو تشككه عبر منظومة من الاستعدادات المعرفية والسياسية التي يحملها الأفراد معهم إلى خلاصات الأخبار، فانحياز التأكيد يجعل المحتوى المزيف الموافق للتوجهات القائمة أكثر قبولًا، والتوجه السياسي يوجه مقدار الشك والمصداقية الممنوحين، بينما تعمل الثقافة الإخبارية بصورة غير مباشرة عبر تعميق الألفة بالقضايا، الأمر الذي يعني أن برامج التثقيف الإخباري ينبغي أن تركز على بناء معرفة موضوعية بالقضايا الجارية لا على مهارات التحقق الشكلية وحدها، وتناقش الدراسة هذه الدلالات النظرية والعملية لتسليط الضوء على القضايا الحرجة التي يطرحها التضليل المولد بالذكاء الاصطناعي وهو يؤثر باطراد في كيفية إنشاء محتوى الإعلام وتوزيعه واستهلاكه
وتضيف الدراسة بعدًا تفسيريًا مهمًا حين تبين أن أثر التزييف العميق لا يتوقف عند حدود الإقناع بمحتوى كاذب، فقد يقع الجمهور فريسة لعدم يقين عام يزعزع ثقته حتى بالمحتوى الحقيقي الموثق، وهو أثر لا يقل خطورة عن الانخداع ذاته لأنه يفتح الباب أمام التشكيك في الوقائع الثابتة بذريعة أنها قد تكون مصنعة، ومن هنا فإن قياس الاستجابات على مستويات معرفية واتجاهية وسلوكية متكاملة كما فعلت الدراسة يقدم صورة أشمل من الاكتفاء بسؤال الجمهور عما إذا كان قد صدق المقطع المزيف أم كشفه
وخلاصة القول إن الدراسة أثبتت بتجارب عبر الإنترنت أن أخبار التزييف العميق السياسية قادرة على خداع جمهور وسائل التواصل الاجتماعي أو إرباكه، وأن التوجه السياسي وانحياز التأكيد والثقافة الإخبارية عوامل دالة في التنبؤ باستجابات الجمهور لها، مع وساطة كاملة للألفة بقضايا الأخبار بين الثقافة الإخبارية والتفاعل، بما يقدم فهمًا أعمق لآليات استهلاك التضليل التركيبي وسبل مواجهته
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
