يحتل تمثيل الجماعات الثقافية المتنوعة في وسائل الأخبار موقعًا مؤثرًا في تشكيل علاقة هذه الجماعات بالمجتمع الأوسع الذي تعيش فيه، فطريقة ظهور المهاجرين والأقليات في التغطيات الإخبارية لا تنعكس على صورتهم لدى الأغلبية فحسب، بل تمتد إلى ثقتهم بالأخبار ذاتها واستعدادهم للمشاركة في الحياة العامة وشعورهم بالانتماء إلى المجتمع المضيف، غير أن العلاقات المتبادلة بين هذه العناصر لم تحظ بفحص تجريبي كاف، وهو ما سعت هذه الدراسة إلى معالجته في السياق الأسترالي متعدد الثقافات بامتياز
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم دور التمثيل في وسائل الأخبار والثقة في الأخبار والمشاركة في شعور الجماهير متعددة الثقافات بالانتماء إلى المجتمع، وقد أجري لهذا الغرض مسح متعدد الوسائط جمع بين الاستبانة عبر الإنترنت والمقابلات الهاتفية بمساعدة الحاسوب والمقابلات الشخصية بمساعدة الحاسوب، ونفذ في أستراليا في نهاية عام 2021 وبداية عام 2022، وبلغ حجم العينة 1084 مشاركًا، وشمل المسح أكبر خمس جاليات لغوية غير ناطقة بالإنجليزية في أستراليا وهي الجاليات العربية والناطقة بالكانتونية والإيطالية والماندرين والفيتنامية، وكان من بين المشاركين 851 مشاركًا ولدوا خارج أستراليا، الأمر الذي منح الدراسة قاعدة واسعة لفحص تجارب المهاجرين من أجيال وخلفيات لغوية متنوعة
وقد أتاح التصميم متعدد الوسائط الوصول إلى شرائح قد يصعب بلوغها بأسلوب واحد، ولا سيما من تنخفض ثقتهم باللغة الإنجليزية أو محدودية وصولهم إلى الإنترنت، كما أتاح للباحثين فحص متغيرات مترابطة مثل إدراك كفاية التمثيل في الأخبار والثقة في الأخبار والثقة بالنفس للمشاركة المجتمعية والشعور بالانتماء، إضافة إلى متغيرات تفسيرية مثل الثقة بإتقان اللغة الإنجليزية وطول مدة الإقامة في أستراليا
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج عن وجود صلة دالة بين إدراك التمثيل الكافي في وسائل الأخبار الأسترالية والثقة في الأخبار والثقة للمشاركة في المجتمع والشعور بالانتماء، فحين ترى الجماهير متعددة الثقافات نفسها ممثلة بإنصاف وكفاية في الأخبار تكون أكثر ميلًا إلى الثقة في الأخبار والمشاركة في المجتمع عبر مناقشة الأخبار والشؤون الجارية، بما يؤدي بدوره إلى شعور أقوى بالانتماء إلى المجتمع، كما وجدت الدراسة أن الثقة باللغة الإنجليزية والوقت المنقضي في أستراليا عاملان مهمان يساهمان في إدراك التمثيل، إذ يكون لطول مدة الإقامة أثر إيجابي في إدراك التمثيل لدى من يتمتعون بثقة عالية في اللغة الإنجليزية، بينما يكون هذا الإدراك أدنى بدرجة دالة لدى من تنخفض ثقتهم بها، وهو ما يؤكد الدور الكبير الذي تؤديه الكفاءة اللغوية في تجارب المهاجرين في البلد المضيف وعلاقتهم بإعلامه ومؤسساته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز هذه النتائج أن تمثيل الجاليات الثقافية في الأخبار ليس قضية رمزية هامشية بل عامل عملي في بناء الثقة والاندماج، فوسائل الإعلام التي تمثل الجاليات بإنصاف وتعددية تكسب ثقة تلك الجماهير وتشجعها على المشاركة في النقاش العام، بما يعزز التماسك الاجتماعي ويقلل مخاطر العزلة المعلوماتية التي قد تدفع الجاليات إلى الانكفاء على مصادر بديلة، كما تلفت الدراسة الانتباه إلى أن المهاجرين الأحدث عهدًا أو الأقل ثقة باللغة الإنجليزية هم الأكثر عرضة لإدراك تمثيل ضعيف، الأمر الذي يحمل دلالات لسياسات الإعلام العام متعدد اللغات ولبرامج دعم الاندماج التي تجعل الكفاءة اللغوية جسرًا لا حاجزًا أمام المشاركة المجتمعية
وتكتسب هذه النتائج ثقلها من اتساع العينة وتنوعها اللغوي والثقافي، إذ شمل المسح خمسًا من أكبر الجاليات اللغوية في أستراليا ومن بينها الجالية العربية، وكان أكثر من ثلاثة أرباع المشاركين من المولودين خارج أستراليا، الأمر الذي يجعل الصلة المكتشفة بين التمثيل والثقة والانتماء قابلة للقراءة عبر مجموعات مهاجرة مختلفة لا ضمن جالية واحدة بعينها، كما أن توظيف وسائط مسح متعددة تجمع بين الإنترنت والهاتف والمقابلة الشخصية قلل من انحياز الاقتصار على المستجيبين الأيسر وصولًا، وهي حساسية منهجية مهمة حين يكون موضوع الدراسة ذاته هو الوصول إلى الجماهير وعدم استبعادها
وخلاصة القول إن الدراسة أثبتت عبر مسح واسع متعدد الوسائط في أستراليا أن إدراك الجماهير متعددة الثقافات تمثيلها الكافي والمنصف في الأخبار يرتبط بثقتها في الأخبار وبمشاركتها المجتمعية وبقوة شعورها بالانتماء، وأن الكفاءة باللغة الإنجليزية ومدة الإقامة عاملان حاسمان في تشكيل هذا الإدراك، بما يمنح وسائل الإعلام دورًا محوريًا في اندماج المهاجرين وتماسك المجتمع المضيف
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
