حين تكون المقارنة بين الجماعات هدفًا رئيسًا للبحث، يصبح من الضروري التأكد من أن أداة القياس تتصف بالثبات القياسي، أي أنها تقيس البناء نفسه وبالطريقة نفسها لدى الجماعات جميعًا، فإذا اختل هذا الشرط وقعت النتائج في خطأ القياس وتحيزت لمصلحة جماعة بعينها من المستجيبين، ومن هنا تكتسب هذه الدراسة أهميتها إذ تطبق مدخلًا جديدًا لفحص الثبات القياسي صُمم خصيصًا للحالات التي تتعدد فيها المقارنات الجماعية، وهو مدخل المواءمة، وتختبر به البنية العاملية لاختبار قدرات معرفية عبر الجامعات السعودية، بما يقدم درسًا منهجيًا للبحوث الاجتماعية والصحية التي تقارن متوسطات كامنة بين جماعات كثيرة في آن واحد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ما إذا كانت البنية العاملية لاختبار القدرات المعرفية المعروف اختصارًا بي جات تتصف بالثبات القياسي عبر جامعات المملكة العربية السعودية الست والعشرين، واعتمدت مدخل المواءمة الذي يلائم المواقف البحثية ذات العدد الكبير من الجماعات المقارنة، إذ يتيح تقدير قيم المتوسطات العاملية المواءمة وإجراء مقارنات بين متوسط كل جماعة ومتوسطات الجماعات الأخرى جميعًا، ويوفر هذا المدخل تقديرًا إحصائيًا غير متحيز لمتوسطات الجماعات، مع اختبارات دلالة إحصائية بين أزواج الجماعات تضبط أخطاء المعاينة والبيانات المفقودة، فتغدو المقارنات أكثر أمانة من الطرائق التقليدية التي تتعثر حين يتضاعف عدد الجماعات ويصعب تحقيق الثبات القياسي الكامل بينها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن المقاييس الفرعية لاختبار بي جات ثابتة قياسيًا عبر الجامعات الست والعشرين في المملكة العربية السعودية، أي أن الاختبار يقيس البناء المعرفي نفسه وبالطريقة نفسها لدى طلاب الجامعات جميعًا، وقُدرت قيم المتوسطات العاملية المواءمة وأجريت مقارنات متوسط كل جماعة مع متوسطات الجماعات الأخرى كافة، وأبانت النتائج أن إجراء المواءمة طريقة قيمة لتقويم الثبات القياسي وفروق المتوسطات الكامنة عندما تتعدد الجماعات المشمولة بالمقارنة، إذ يقدم تقديرًا إحصائيًا غير متحيز لمتوسطات الجماعات واختبارات دلالة بين أزواجها تراعي أخطاء المعاينة والبيانات المفقودة، بما يعزز سلامة الاستنتاجات المستخلصة من المقارنات الجماعية واسعة النطاق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي الدراسة على دلالات منهجية تتجاوز سياق الاختبار المدروس، فهي تمنح الباحثين في العلوم الاجتماعية والصحية أداة عملية للتحقق من عدالة أدوات القياس قبل الشروع في مقارنة الجماعات، وتدعم الثقة بنتائج اختبارات القبول والقدرات حين تُستخدم عبر مؤسسات تعليمية متعددة تختلف بيئاتها وخلفيات طلابها، كما تشجع على توظيف مدخل المواءمة في الدراسات المقارنة الدولية والإقليمية التي تشمل دولًا أو مناطق كثيرة، حيث يتعذر غالبًا تحقيق الثبات القياسي الصارم، فتظل المقارنات ممكنة ومبررة إحصائيًا دون التضحية بسلامة التفسير أو الوقوع في تحيز خفي لمصلحة جماعة دون أخرى
ويمتد أثر هذه النتائج إلى سياسات القبول الجامعي وتقويم البرامج التعليمية في المملكة، فحين يثبت أن اختبار القدرات يقيس البناء نفسه عبر الجامعات الست والعشرين تزول حجة أن فروق المتوسطات بين الجامعات مجرد أثر لاختلاف فهم الأداة أو تفاعلها مع بيئات الطلاب، وتصبح الفروق المرصودة فروقًا حقيقية في المتوسطات الكامنة تستحق التفسير التربوي والتدخل المؤسسي، كما تستفيد هيئات الاعتماد وضمان الجودة من هذا الضمان القياسي عند مقارنة مخرجات الجامعات أو ترتيبها، ويستفيد مصممو الاختبارات من درس منهجي مفاده أن فحص الثبات ينبغي أن يسبق أي مقارنة جماعية وأن مدخل المواءمة يمنحهم وسيلة عملية حين تتعذر الطرائق الكلاسيكية مع كثرة الجماعات، فتتأسس قرارات التعليم العالي على قياس عادل قابل للدفاع علميًا، كما تمهد النتيجة لاستخدام متوسطات الجامعات المواءمة في دراسات أثر البرامج والمبادرات التعليمية دون خشية أن تكون الفروق مجرد أخطاء قياس متنكرة في صورة فروق حقيقية بين المؤسسات، وهي رسالة تصلح لكل باحث يقارن جماعات كثيرة بأداة قياس واحدة في أي ميدان اجتماعي أو صحي
وخلاصة القول إن هذه الدراسة أثبتت بمدخل المواءمة أن المقاييس الفرعية لاختبار بي جات ثابتة قياسيًا عبر جامعات المملكة العربية السعودية الست والعشرين، وقدمت تقديرات غير متحيزة للمتوسطات العاملية واختبارات دلالة بين أزواج الجماعات تضبط أخطاء المعاينة والبيانات المفقودة، بما يجعل المواءمة طريقة قيمة لفحص الثبات القياسي وفروق المتوسطات الكامنة في البحوث الاجتماعية والصحية متعددة الجماعات
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
