تواجه مقاطعة شاندونغ الصينية مهمة مزدوجة تتمثل في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والسيطرة على تلوث الهواء في آن واحد، بوصفها أكبر مقاطعات الصين استهلاكًا للطاقة، وتتناول هذه الدراسة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وملوثات الهواء الرئيسة الناتجة عن قطاعات استهلاك الطاقة في المقاطعة خلال الفترة من عام 2010 إلى عام 2021، وتسعى إلى رسم صورة دقيقة لتوزيع هذه الانبعاثات مكانيًا وزمانيًا وللعوامل الاجتماعية والاقتصادية المحركة لها، وتنطلق الدراسة من أن بناء قوائم جرد عالية الدقة للانبعاثات يمثل أساسًا لأي سياسة فعالة في خفض الكربون وتحسين جودة الهواء، وأن فهم العلاقة بين النشاط الاقتصادي والانبعاثات يتيح توقع مساراتها المستقبلية واختبار قدرة المقاطعة على بلوغ ذروة الكربون دون التضحية بالنمو، وتزداد أهمية هذا البحث في ظل الالتزامات المناخية المعلنة بشأن ذروة الكربون وحياده، إذ تحتاج المقاطعات الصناعية الكبرى إلى أدوات قياس دقيقة تربط بين خطط الطاقة وبين حصيلة الانبعاثات الفعلية على مستوى المدن والقطاعات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إنشاء قائمة جرد عالية الدقة للانبعاثات بدقة مكانية تبلغ خمسة كيلومترات في خمسة كيلومترات، تغطي غازات الاحتباس الحراري وملوثات الهواء الرئيسة من قطاعات استهلاك الطاقة في شاندونغ بين عامي 2010 و2021، بالاستناد إلى أحدث بيانات النشاط وعوامل انبعاث محدثة، واعتمدت الدراسة نموذج ستيربات الموسع لتقدير العلاقة بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية وبين انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وملوثات الهواء تقديرًا كميًا، كما وظفت منهج تحليل السيناريوهات للتنبؤ باتجاه الانبعاثات المستقبلي في ظل مسارات تنموية مختلفة، وجمعت بذلك بين الجرد المكاني الدقيق والنمذجة القياسية والاستشراف المستقبلي في إطار تحليلي واحد، ويعنى بناء قائمة الجرد بهذه الدقة المكانية بتحديد البؤر الجغرافية الأعلى انبعاثًا داخل المقاطعة بدل الاكتفاء بالإجماليات السنوية العامة، بما يجعل القائمة أداة تشخيص ومتابعة في آن واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: يتصدر قطاعا الكهرباء والنقل قائمة المساهمين الرئيسين في الانبعاثات كلها، وتتركز القيم المرتفعة للملوثات مكانيًا في التجمعات الحضرية وسط شاندونغ وشرقها
النتيجة الثانية: تعزى نسبة تصل إلى 72 في المئة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري و50 في المئة من انبعاثات تلوث الهواء إلى أعلى 10 في المئة من شبكات الانبعاث، بما يكشف تركزًا مكانيًا حادًا في مصادر التلوث
النتيجة الثالثة: تحدث ذروات الانبعاثات في فصلي الصيف والشتاء أساسًا، نتيجة حرق القش وزيادة استخدام مرافق التحكم في درجات الحرارة وتوسع الطاقة الإنتاجية للمصانع
النتيجة الرابعة: تعد عوامل عدد المقيمين واستهلاك الطاقة وحصة الصناعة الثانوية وكثافة استهلاك الطاقة أكثر العوامل تأثيرًا في انبعاثات الملوثات، وأظهر تحليل السيناريوهات أن شاندونغ قادرة على بلوغ ذروة الكربون في عام 2027 دون التضحية بنمو عدد المقيمين أو بالتقدم الاقتصادي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة أساسًا علميًا لسياسات خفض الانبعاثات في المقاطعات كثيفة استهلاك الطاقة، إذ يتيح التركز المكاني الحاد للانبعاثات استهداف البؤر الأعلى انبعاثًا بإجراءات مركزة ذات أثر كبير، كما يفيد تحديد العوامل الأكثر تأثيرًا في توجيه أدوات السياسة نحو استهلاك الطاقة وبنية الصناعة وكفاءة استخدامها، ويمنح توقع بلوغ ذروة الكربون في عام 2027 صانعي القرار أفقًا زمنيًا واقعيًا للتخطيط، وتتجاوز دلالات الدراسة حالتها الصينية إلى المناطق الصناعية الكثيفة في العالم التي تواجه المهمة المزدوجة ذاتها، فتقدم لها منهجًا قابلًا للنقل في بناء قوائم الجرد عالية الدقة وربطها بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية وتحليل السيناريوهات المستقبلية، كما تنبه النتائج إلى أن ذروات الانبعاثات الموسمية تستدعي إجراءات موسمية مخصصة، كضبط حرق مخلفات الزراعة في مواسمها وإدارة الطلب على التدفئة والتبريد، بدل سياسات موحدة ثابتة على مدار العام كله
وخلاصة القول إن انبعاثات الطاقة في شاندونغ مركزة مكانيًا في قطاعات ومناطق محددة وعوامل معروفة، وإن هذا التركز نفسه يجعل خفضها ممكنًا بسياسات مستهدفة، مع بقاء بلوغ ذروة الكربون في متناول المقاطعة دون إعاقة نموها الاقتصادي
