يعد الاكتفاء الذاتي شرطًا جوهريًا لاستمرار السياحة الريفية القائمة على المجتمع وفاعليتها على المدى الطويل، فحين تملك المجتمعات المحلية قرارها ومواردها وقدراتها تستطيع تشغيل أنشطتها السياحية دون تبعية دائمة لجهات خارجية، غير أن الدراسات القائمة ركزت على شروط الاكتفاء الذاتي بصورة عامة وأغفلت تفاصيله في كل نشاط من أنشطة سلسلة القيمة الخاصة بهذا النمط من السياحة، وهو ما يخفي مشكلات دقيقة قد لا تظهر في التقييمات الإجمالية، ومن هنا تسد هذه الدراسة فجوة مهمة بملاحظة الاكتفاء الذاتي لدى المجتمعات المحلية في ضوء إطار سلسلة القيمة السياحية، متخذة من القرى السياحية المجتمعية في مقاطعة سليمان بإندونيسيا ميدانًا للدراسة والتطبيق، فالتفصيل على مستوى كل نشاط من أنشطة السلسلة، من الإقامة والإطعام إلى الإرشاد والتسويق والحرف المحلية، يكشف أين يقف المجتمع على قدميه وأين ما يزال مستندًا إلى غيره، وهي معرفة لا غنى عنها لأي تخطيط واقعي للتنمية السياحية الريفية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى ملاحظة الاكتفاء الذاتي المجتمعي في السياحة الريفية القائمة على المجتمع بالنظر في ثلاثة جوانب رئيسة هي الأهداف أو الغايات، والحقوق والقدرات، والموارد المملوكة، وذلك عبر أنشطة سلسلة القيمة السياحية لدى كيانات هذا النمط من السياحة، واعتمدت على منهج الاستدلال الاستقرائي التقريبي مطبقة مدخل التركيب المنهجي الذي يجمع بين الأطر النظرية والبيانات الميدانية في حوار متبادل، وشمل جمع البيانات ممثلين عن 49 قرية سياحية مجتمعية في مقاطعة سليمان بإندونيسيا، بما أتاح رصد صور الاكتفاء والاعتماد في كل حلقة من حلقات سلسلة القيمة على حدة، فلا يعود الاكتفاء حكمًا إجماليًا على القرية بأكملها، بل يصبح خريطة تفصيلية تبين توزعه عبر الأنشطة والجوانب وتكشف الترابط بين جوانب القوة ومواطن الاحتياج الخارجي في الكيان الواحد
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: أظهرت النتائج أن ملاحظة الاكتفاء الذاتي المجتمعي عبر سلسلة القيمة السياحية تتيح التعرف على مشكلات متعددة الوجوه تواجهها مجتمعات السياحة الريفية، إذ تتفاوت درجات الاكتفاء بين الأنشطة والجوانب، فتظهر نقاط قوة في جوانب معينة ومواطن اعتماد في جوانب أخرى لدى الكيان نفسه، وهو تفاوت ما كانت التقييمات العامة لتلتقطه لأنه يتحرك في اتجاهات مختلفة داخل القرية الواحدة ويتطلب النظر المتزامن في الأهداف والحقوق والقدرات والموارد نشاطًا نشاطًا
النتيجة الثانية: بينت الدراسة أن المبادرات السياحية المجتمعية المبحوثة غير قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في جوانب الاكتفاء كلها، فلا يوجد كيان مكتف تمامًا في الأهداف والحقوق والقدرات والموارد معًا عبر سلسلة القيمة بأكملها، وهو ما يجعل الاكتفاء هدفًا تدريجيًا لا حالة مكتملة
النتيجة الثالثة: كشفت النتائج أن الاعتماد على التعاون الخارجي وشبكات الدعم ما يزال قائمًا بدافع الضرورة العملية لا بسبب عجز المجتمعات عن الإدارة الذاتية، فالشراكات الخارجية تسد فجوات حقيقية في التمويل والوصول إلى الأسواق والخبرات التي يصعب توليدها محليًا في الأجل القصير
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تستلزم نتائج الدراسة توفير حمايات سياساتية للمجتمعات السياحية الريفية، وبناء قدراتها الإدارية والتسويقية، وإقامة شراكات تعاونية عادلة، بوصفها شروطًا لتطوير سياحة ريفية مرنة ومستدامة في ظل تبعيات ضرورية لا يمكن إنكارها، وينبغي أن يراعي التخطيط للسياحة الريفية القائمة على المجتمع وسياساتها جوانب الاكتفاء الذاتي التي حددتها الدراسة، من أهداف وحقوق وقدرات وموارد، حتى يتحقق تمكين حقيقي للمجتمعات يقود إلى تنمية ريفية مستدامة، بدل الاكتفاء بمؤشرات إجمالية قد تخفي مواطن الاعتماد والهشاشة داخل سلسلة القيمة السياحية، وبما أن الاعتماد الخارجي الموثق في النتائج ضرورة عملية في كثير من الحلقات، فإن السياسات الرشيدة لا تستهدف قطعه فوريًا بل تديره بشروط منصفة للمجتمعات وتحوله تدريجيًا من تبعية سلبية إلى شراكة تبني القدرات المحلية وتنقل الخبرة إليها
وخلاصة القول إن الاكتفاء الذاتي في السياحة الريفية المجتمعية ليس حالة ثنائية تتحقق أو تنتفي، بل مسار متدرج يتشكل عبر أنشطة سلسلة القيمة، وإن فهم مواضع القوة والاعتماد في كل نشاط هو المدخل الصحيح لسياسات تمكين تبني مجتمعات سياحية قادرة على الصمود والاستمرار








