تتناول هذه الدراسة العلاقة السببية بين القطاع غير الرسمي والعولمة في القارة الأفريقية، وهي علاقة تكتسب أهمية متزايدة في ظل اتساع الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة رسميًا في كثير من الدول الأفريقية من جهة، وتعمق اندماج هذه الدول في الاقتصاد العالمي من جهة أخرى، فقد تترتب على هذا الاندماج آثار متباينة في بنية الأنشطة غير الرسمية، كما قد تنعكس أوضاع القطاع غير الرسمي بدورها على قدرة الاقتصادات على التفاعل مع العولمة واغتنام فرصها، وينبع الاهتمام بهذه العلاقة من أن فهم اتجاه السببية وطبيعتها يمثل مدخلًا ضروريًا لصياغة سياسات اقتصادية رشيدة، ولا سيما إذا كانت العلاقة لا تسير في اتجاه واحد ولا تخضع لمنطق خطي بسيط
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة السببية بين اللارسمية والعولمة في ثلاثين دولة أفريقية، منحرفة بذلك عن مسار البحوث التقليدية التي غالبًا ما تفترض اتجاهًا واحدًا للعلاقة، إذ تبنت إطارًا ثنائي الاتجاه يعالج مشكلة السببية العكسية المحتملة بين المتغيرين، بحيث يُختبر أثر كل منهما في الآخر دون افتراض مسبق باتجاه التأثير، وهو ما يسمح برصد التغذية المتبادلة بين الظاهرتين كما تحدث في الواقع الاقتصادي
ولتحقيق هذا الهدف طبقت الدراسة أسلوب دوميتريسكو وهورلين لاختبار السببية في إطارين متوازيين: إطار خطي تقليدي وإطار غير خطي، بما يتيح الكشف عن العلاقات السببية غير المتماثلة التي قد تختلف باختلاف طبيعة الصدمات موجبة كانت أم سالبة، ويمنح التحليل قدرة أدق على تمثيل التعقيد الفعلي للعلاقة بين الظاهرتين عبر السياقات الأفريقية المتنوعة
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: أظهر التحليل أن البنية السببية بين اللارسمية والعولمة تُفسَّر تفسيرًا أفضل في سياق غير خطي وغير متماثل، وهو ما يتحدى الافتراض الشائع بوجود علاقة خطية منتظمة بين المتغيرين، ويؤكد أن اتجاه السببية وقوتها يتباينان بحسب الدولة وطبيعة الصدمات الواقعة فيها
النتيجة الثانية: في مجموعة من الدول شملت أنغولا والكونغو وغينيا وغامبيا وموزمبيق وسيراليون وتونس وتنزانيا وأوغندا وزامبيا وزيمبابوي، تتجه العلاقة السببية من العولمة إلى القطاع غير الرسمي، بحيث تؤدي تطورات الاندماج العالمي في هذه الاقتصادات إلى اتساع اللارسمية فيها
النتيجة الثالثة: رصدت الدراسة في المقابل حالات تنطلق فيها صدمات موجبة من القطاع غير الرسمي نحو العولمة، بما يعني أن أنشطة القطاع غير الرسمي قد تولد آثارًا دافعة للاندماج العالمي في بعض السياقات الوطنية، فلا يكون القطاع عبئًا على العولمة في كل الأحوال
النتيجة الرابعة: تبين كذلك أن الصدمات السالبة في العولمة قد تقود إلى صدمات موجبة في القطاع غير الرسمي، وهو ما يشير إلى أن فترات التراجع والانكماش في الاقتصاد العالمي قد تدفع مزيدًا من الأنشطة والعمالة نحو اللارسمية بوصفها ملاذًا اقتصاديًا بديلًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبثق عن هذه النتائج دلالات سياساتية متمايزة بحسب نمط العلاقة السائد في كل دولة، ففي الدول التي تقود فيها العولمة إلى اتساع اللارسمية توصي الدراسة بتدابير تعمل على دمج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، تشمل تصميم برامج تيسّر الانتقال إلى الرسمية، وتنفيذ مبادرات لتنمية المهارات، وإقامة آليات لدعم ريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة، فضلًا عن تطوير شبكات الأمان الاجتماعي، وتحسين الوصول إلى الأسواق، وإرساء آليات فعالة للمتابعة والتنظيم، والتوعية بمنافع العولمة، وتعزيز التعاون الدولي في هذا الشأن
أما الدول التي تشهد صدمات موجبة من اللارسمية إلى العولمة فتوصي الدراسة فيها ببرامج دعم مستهدفة لريادة الأعمال، ومبادرات لإضفاء الطابع الرسمي على القطاع، وتعزيز الوصول إلى الأسواق، وتنمية مهارات مصممة وفق احتياجات العاملين في القطاع غير الرسمي، بما يبني على الزخم الإيجابي القائم ويحوله إلى مكاسب تنموية مستدامة، وفي حالات الصدمات السالبة للعولمة المؤدية إلى اتساع اللارسمية تقترح الدراسة سياسات لبناء قدرة القطاع غير الرسمي على الصمود خلال فترات التباطؤ الاقتصادي، وإنشاء شبكات أمان اجتماعي تحمي الفئات الأشد تأثرًا، وتبني سياسات عمل مرنة تستوعب التحولات الطارئة في أسواق العمل
وخلاصة القول إن العلاقة بين اللارسمية والعولمة في أفريقيا علاقة سببية معقدة لا تُختزل في اتجاه واحد ولا في نمط خطي، وإن التعامل السياساتي الناجع معها يستلزم تشخيص نمط العلاقة في كل سياق وطني على حدة، وتصميم تدخلات متكيفة معه تجمع بين إدماج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي وحماية العاملين فيه وتنمية مهاراتهم وتوسيع وصولهم إلى الأسواق








