يفرض الاقتصاد الرقمي على الشركات التقليدية تحديات جوهرية في التحول الرقمي، فهو اتجاه سائد في التنمية العالمية لا تملك المنشآت ترف تجاهله، ومع اشتداد الضغوط المؤسسية تلجأ كثير من الشركات إلى محاكاة الاستراتيجيات الرقمية لنظيراتها الناجحة وسيلة لتخفيف المخاطر واكتساب الشرعية، غير أن الأدلة التجريبية على هذه الظاهرة وعلى دور البيئة المؤسسية في تشكيلها ما تزال شحيحة، ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة التي تستند إلى النظرية المؤسسية الجديدة لتسأل عما إذا كانت الشركات تحاكي غيرها رقميًا وكيف توجه البيئة المؤسسية هذا السلوك، ومن أي النظيرات تتعلم الشركات تحديدًا، فالتحول الرقمي ليس قرارًا تقنيًا داخليًا محضًا، بل سلوك اجتماعي ومؤسسي يتأثر بما يفعله الآخرون وبما تعتبره البيئة المحيطة سلوكًا مشروعًا وناجحًا، ومن هنا يصبح فهم منطق المحاكاة مدخلًا لفهم سرعة انتشار الرقمنة وتفاوتها بين القطاعات والمناطق
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التحقق مما إذا كانت البيئة المؤسسية تؤثر في ميل الشركات إلى تبني التحول الرقمي محاكاة لنظيراتها، وكيفية حدوث هذا التأثير، وطبقت نماذج انحدار المربعات الصغرى المعممة على عينة ضمت 2862 شركة مدرجة صينية من خارج قطاع تقنية المعلومات خلال الفترة من عام 2012 إلى عام 2020، وميزت في البيئة المؤسسية بين الرقمنة الصناعية على مستوى القطاع والرقمنة الإقليمية على مستوى المنطقة، وفحصت أثر كل منهما منفردًا وأثر تفاعلهما، وأخضعت النتائج لسلسلة من اختبارات المتانة للتحقق من ثباتها عبر مواصفات بديلة، وقد غطت فترة الدراسة عقدًا شهد تسارعًا كبيرًا في الرقمنة الصينية، بما وفر تباينًا زمنيًا وقطاعيًا وإقليميًا كافيًا لرصد سلوك المحاكاة وتغيره مع نضج البيئة المؤسسية الرقمية حول الشركات
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: يرتبط التماثل المحاكي للتحول الرقمي لدى الشركات بالبيئة المؤسسية ارتباطًا واضحًا، فالشركات لا تقرر رقمنتها بمعزل عن محيطها المؤسسي بل تستجيب لضغوطه وإشاراته
النتيجة الثانية: تعزز الرقمنة الصناعية التماثل المحاكي وتعززه الرقمنة الإقليمية كل على حدة، فتقدم القطاع رقميًا يدفع شركاته إلى اللحاق به، وتقدم المنطقة يدفع شركاتها إلى المسار ذاته، وبذلك يعمل كل مستوى من مستويي الرقمنة مرآة ونموذجًا للشركات الواقعة في نطاقه
النتيجة الثالثة: يرتبط تفاعل الرقمنة الصناعية والرقمنة الإقليمية ارتباطًا إيجابيًا بالتماثل المحاكي لدى الشركات الناجحة، وارتباطًا سلبيًا لدى الشركات المماثلة، بما يعني أن اجتماع الضغطين يوجه المحاكاة نحو الناجحين أكثر من توجيهها نحو المشابهين
النتيجة الرابعة: تقدم النتائج دليلًا تجريبيًا على أن الشركات من خارج قطاع تقنية المعلومات تتقارب صعودًا في تحولها الرقمي، أي تحاكي من يسبقها نجاحًا فتضيق الفجوة وتتحقق تنمية عالية الجودة عبر التعلم الجماعي من التجارب الرقمية الرائدة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل الدراسة دلالات لمديري الشركات التقليدية مفادها أن اختيار نموذج المحاكاة قرار استراتيجي، وأن الأجدى هو التعلم من الناجحين رقميًا لا الاكتفاء بتقليد المشابهين في الحجم والقطاع، كما تحمل دلالات لصانعي السياسات إذ تبين أن رفع مستوى الرقمنة الصناعية والإقليمية معًا يخلق ضغطًا مؤسسيًا مثمرًا يدفع الشركات المتأخرة إلى اللحاق بركب التحول، وأن بناء بيئات رقمية إقليمية وقطاعية متقدمة يعد بذلك أداة سياساتية لتعجيل التحول الرقمي الشامل ورفع جودة التنمية الاقتصادية، كما تفيد المستثمرين والمحللين في قراءة إشارات التحول الرقمي القطاعية والإقليمية عند تقييم آفاق الشركات التقليدية وقدرتها على مواكبة منافسيها
وخلاصة القول إن الشركات تتعلم رقميًا ممن يراها ناجحة حين تتشكل حولها بيئة مؤسسية ضاغطة ومحفزة، فالرقمنة الصناعية والإقليمية تدفعان إلى المحاكاة فرادى، ويقود اجتماعهما الشركات نحو التقارب الصاعد مع الناجحين، وهي خلاصة توسع فهم التحول الرقمي من قرار داخلي إلى ظاهرة مؤسسية جماعية تستحق التوجيه الواعي، وبهذا المعنى تصبح البيئة المؤسسية الرقمية القوية أصلًا تنمويًا يفيد حتى الشركات التي لم تبادر إلى التحول بعد
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/12/9/243
DOI: 10.3390/economies12090243
