يؤدي التوسع الحضري في أنحاء الجزائر إلى احتكاك متزايد بين الإنسان والحياة البرية، ويبرز الخنزير البري في هذا السياق مكونا أصيلا من حيوانات منطقة المغرب العربي تتزايد وفرته تزايدا مفرطا، غير أنه ما يزال غير موثق إلى حد كبير في البيئات الحضرية، إذ يستغل هذا الحيوان موارد أطراف الغابات ويولد بذلك واجهة تداخل جديدة بين الإنسان والحياة البرية لم تتضح تصورات المجتمع حولها إلا قليلا خارج أوروبا، فتقدم المشاهدات المتكررة للحيوان داخل الأحياء السكنية وحولها أسئلة بيئية واجتماعية وصحية حول أسباب هذا الحضور وأنماطه المكانية والزمانية وكيفية تعامل المجتمعات المحلية معه
وتجري الدراسة تقييما اجتماعيا بيئيا استكشافيا لهذه الواجهة الناشئة في مدينة عنابة بالجزائر، فتجمع بين مسح لتصورات المقيمين ورصد ميداني لنشاط الحيوان، لتحديد القطاعات الأكثر تعرضا للتوغلات، والعوامل المرتبطة بوجود الخنزير البري قرب المناطق السكنية، وطبيعة التصورات السائدة تجاهه بين من أبدوا رأيا في الموضوع، وما يترتب على ذلك من احتياجات في إدارة النفايات والتدخلات المتعلقة بالموائل والرصد البيئي طويل الأجل، بما يساعد السلطات المحلية والمجتمعات على التعامل المبكر مع نزاعات حضرية متصاعدة محتملة بين الإنسان وهذا الحيوان قبل تفاقمها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى توثيق الأنماط المكانية لتوغلات الخنزير البري في مدينة عنابة وتصورات الجمهور تجاهه، واعتمدت على مسح عام شمل 250 مقيما لتوثيق الأنماط المكانية للتوغلات والتصورات، وعلى بروتوكول رصد ليلي استمر ستة أشهر لتتبع نشاط الحيوان وإيقاعه الزمني ووفرته النسبية عبر المواسم، واستخدمت تحليلات متعددة المتغيرات لفحص ارتباطات وجود الخنزير البري بعوامل مكانية وبيئية، منها القرب من غابة إيدوغ وتوافر موارد الغذاء البشرية المصدر والممرات التي تربط الغابة بالمناطق السكنية، بما يتيح فهما متكاملا يجمع بين البعد البيئي الميداني والبعد الاجتماعي المتمثل في خبرات المقيمين ومواقفهم
ثانيًا: أبرز النتائج
١- أظهرت النتائج فروقا جوهرية بين القطاعات المدروسة، إذ لاحظ 68 في المئة من المقيمين في القطاع الثالث الخنزير البري، بينما لم تبلغ أي مشاهدات في القطاع الأول
٢- أشارت التحليلات متعددة المتغيرات إلى أن وجود الخنزير البري يرتبط ارتباطا قويا بالقرب من غابة إيدوغ، وبتوافر موارد غذائية بشرية المصدر، وبالممرات التي تربط الغابة بالمناطق السكنية
٣- كشف الرصد الميداني عن إيقاع نشاط ليلي بصورة شبه حصرية للحيوان داخل النطاق المدروس، وعن زيادة موسمية واضحة في مؤشر الوفرة النسبية
٤- كانت التصورات لدى من أبدوا رأيا سلبية في الغالب، تشكلت بفعل الخوف والخطر المتصور والمخاوف المتعلقة بالنظافة
٥- أثبتت النتائج مجتمعة نشوء واجهة تداخل جديدة بين الإنسان والحياة البرية في الجزائر لم تكن موثقة من قبل في البيئات الحضرية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد الدراسة الحاجة إلى تحسين إدارة النفايات بوصفها خطوة أولى للحد من موارد الغذاء بشرية المصدر التي تجذب الخنزير البري إلى الأحياء، وإلى تدخلات مستهدفة في الموائل والممرات الرابطة بين الغابة والمدينة، وإلى رصد بيئي طويل الأجل يتيح تتبع تطور أعداد الحيوان وأنماط حضوره عبر المواسم والسنوات، كما تفيد النتائج البلديات والجهات البيئية في التخطيط الحضري المراعي لقرب الغابات، وفي تصميم رسائل توعية للمقيمين تعالج الخوف والمخاوف الصحية بمعلومات دقيقة عن سلوك الحيوان الليلي وسبل تجنب الاحتكاك به، وتسهم الدراسة في الأدبيات البيئية بتوثيقها حالة شمال أفريقية لواجهة تداخل حضري متنامية ظلت الدراسات حولها مركزة في السياق الأوروبي غالبا، وتمنح الباحثين إطارا مقارنا لدراسة واجهات تداخل مشابهة قد تنشأ في مدن مغاربية أخرى تتوسع باتجاه الغابات والمناطق الطبيعية المحيطة بها
وخلاصة القول إن حضور الخنزير البري في مدينة عنابة يتركز في القطاعات القريبة من الغابة والممرات والموارد الغذائية بشرية المصدر، ويثير تصورات سلبية لدى المقيمين، بما يستدعي إدارة أفضل للنفايات وتدخلات في الموائل ورصدا بيئيا مستمرا للحد من النزاعات الحضرية المتصاعدة حول هذا الحيوان
