يُعد الدخل في الأدبيات الاقتصادية العامل الأبرز المفسّر للطلب على التأمين على الحياة، إذ يُفترض أن ارتفاع دخول الأفراد يرفع قدرتهم على شراء وثائق التأمين ويزيد وعيهم بأهمية الحماية المالية لأسرهم، غير أن الواقع العالمي في العقدين الأخيرين أظهر مفارقة لافتة، فقد واصل معدل انتشار التأمين على الحياة تراجعه في العالم رغم نمو الدخول، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الدخل والطلب على هذا النوع من التأمين، وحول ما إذا كانت هذه العلاقة خطية مطردة كما تفترض التصورات التقليدية، أم أنها تتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا تتأثر بمستوى التنمية وبعوامل أخرى مصاحبة كالتعليم ومتوسط العمر المتوقع
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين الدخل والطلب على التأمين على الحياة فحصًا تجريبيًا دقيقًا، مع إدخال التعليم ومتوسط العمر المتوقع متغيرين ضابطين قد يؤثران في هذه العلاقة، واعتمدت الدراسة على بيانات لوحية لواحد وأربعين بلدًا غطت الفترة من عام 2013 إلى عام 2022، بما أتاح تتبع تطور انتشار التأمين على الحياة عبر الزمن وعبر البلدان في آن واحد، ومقارنة أنماط العلاقة بين الدخل والانتشار في مستويات تنموية مختلفة، وقد قيس الطلب على التأمين بمعدل انتشاره المعبر عن وزن أقساط التأمين على الحياة في الناتج المحلي، وهو المؤشر الشائع في قياس عمق أسواق التأمين وتطورها
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: كشفت الدراسة عن علاقة غير رتيبة بين الدخل وانتشار التأمين على الحياة، أي أن الطلب لا يرتفع باطراد مع ارتفاع الدخل في جميع المستويات، بل تتغير اتجاهات العلاقة وقوتها باختلاف مستوى الدخل الذي يبلغه البلد
النتيجة الثانية: تبين أن العلاقة بين التعليم وانتشار التأمين على الحياة غير رتيبة كذلك، فأثر التعليم في الطلب على التأمين لا يسير في اتجاه واحد ثابت عبر مستويات التعليم المختلفة
النتيجة الثالثة: أظهر متوسط العمر المتوقع علاقة رتيبة مطردة مع انتشار التأمين على الحياة، فكلما ارتفع العمر المتوقع للسكان ازداد انتشار التأمين على نحو متسق، وهو ما يتفق مع منطق التخطيط المالي طويل الأجل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة لشركات التأمين وصانعي السياسات، فهي تتيح لشركات التأمين التنبؤ بالطلب على التأمين على الحياة تنبؤًا أدق حين تأخذ في حسبانها الطبيعة غير الرتيبة لأثر الدخل والتعليم، بدل الاكتفاء بافتراض علاقة خطية بسيطة، كما توجه النتائج البلدان غير مرتفعة الدخل إلى إعطاء أولوية لتطوير قطاعات التأمين على الحياة فيها وتنميتها، لأن هامش النمو المتاح لديها أكبر، ولأن بناء سوق تأمين ناضجة يتطلب سياسات داعمة للبنية المؤسسية والوعي التأميني قبل بلوغ مستويات الدخل المرتفعة
وتزداد أهمية هذه النتائج في ضوء التحولات الديموغرافية والاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، فارتفاع متوسط العمر المتوقع يطيل أفق التخطيط المالي للأسر ويجعل منتجات التأمين على الحياة أكثر ارتباطًا بمراحل الحياة المتأخرة والتقاعد، بينما يفتح الطابع غير الرتيب لأثر الدخل بابًا لإعادة التفكير في استراتيجيات التسويق التأميني، إذ لم يعد استهداف الشرائح الأعلى دخلًا وحده كافيًا لفهم ديناميات الطلب، كما أن دور التعليم المتذبذب الاتجاه يستدعي من شركات التأمين رسائل توعية مصممة بحسب المستويات التعليمية المختلفة وخصائص كل سوق وطنية على حدة، بدل تعميم افتراضات موحدة على بلدان متباينة البنى الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية
كما تفتح الدراسة أفقًا لبحوث مستقبلية تتعمق في الفروق بين أسواق التأمين الناشئة والمتقدمة، وتفحص أثر الثقافة المالية والثقة بالمؤسسات والمنتجات التأمينية البديلة في تشكيل منحنى العلاقة بين الدخل والانتشار، بما يثري فهم صناعة التأمين العالمية ويعين على تصميم منتجات أكثر ملاءمة لشرائح الدخل المتوسطة الصاعدة
وخلاصة القول إن العلاقة بين الدخل والطلب على التأمين على الحياة ليست علاقة خطية بسيطة، بل هي علاقة غير رتيبة تتفاعل مع التعليم ومتوسط العمر المتوقع، ومن ثم فإن فهم سوق التأمين والتنبؤ بتطورها يستلزم نماذج تراعي هذه التعقيدات، وسياسات مصممة بحسب مرحلة التنمية التي يمر بها كل بلد
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/13/1/4
DOI: 10.3390/economies13010004
