تطرح العلاقة بين تأسيس الشركات الجديدة والبطالة أسئلة جوهرية في اقتصاديات سوق العمل وريادة الأعمال، إذ يحتمل أن تدفع البطالة المرتفعة الأفراد إلى تأسيس شركاتهم الخاصة بحثًا عن الدخل، ويحتمل في الاتجاه المقابل أن يخفض تأسيس الشركات معدلات البطالة عبر ما يخلقه من وظائف جديدة، وتزداد هذه الأسئلة أهمية في فترات ما بعد الأزمات المالية حين تتبدل ديناميات أسواق العمل، وتتناول هذه الدراسة العلاقة في الاتجاهين معًا مستفيدة من بيانات تركيا على المستويين الإقليمي والمدن، بما يتيح رصد فروق قد تخفيها البيانات الوطنية المجمعة ويقدم أدلة أدق لصانعي سياسات التشغيل وريادة الأعمال
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف العلاقة بين تأسيس الشركات والبطالة باستخدام بيانات تركية على مستوى الأقاليم والمدن، وركزت على فترة ما بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، وحللت آثار البطالة ومتغيرات ضبط أخرى في تأسيس الشركات على مستوى أقاليم التصنيف الإحصائي الثاني والثالث في تركيا، وقدرت الدراسة نموذج بيانات لوحية ذا آثار ثابتة، وضبطت متغيرات شملت الناتج المحلي الإجمالي للفرد والتحضر والكثافة الديمغرافية وبراءات الاختراع والتعليم الثانوي والتعليم العالي، ثم فحصت في الاتجاه المقابل أثر تأسيس الشركات في البطالة على المستويين الإقليمي والمدن وبفواصل زمنية متعددة
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: توجد آثار إيجابية ذات دلالة إحصائية للبطالة في تأسيس الشركات الجديدة، فكلما ارتفعت البطالة ازداد ميل الأفراد إلى إنشاء شركاتهم، بما يتسق مع فكرة ريادة الأعمال المدفوعة بالحاجة في فترات ضعف فرص التوظيف
النتيجة الثانية: لم يظهر للاتجاه المقابل، أي أثر تأسيس الشركات في البطالة، نتائج ذات دلالة إحصائية على مستوى الأقاليم في التصنيف الإحصائي الثاني، فلم يثبت أن تأسيس الشركات يخفض البطالة على هذا المستوى التجميعي الواسع
النتيجة الثالثة: ظهرت على مستوى المدن علاقة سالبة ذات دلالة إحصائية بين تأسيس الشركات والبطالة عند فواصل زمنية قدرها أربع سنوات وخمس سنوات، بما يعني أن أثر الشركات الجديدة في خفض البطالة يتحقق متأخرًا ويظهر بوضوح أكبر على النطاق المحلي الضيق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد نتائج الدراسة صانعي السياسات في فهم ديناميات ريادة الأعمال في فترات البطالة المرتفعة، إذ يمكن توقع موجات تأسيس شركات مدفوعة بالحاجة تستحق الدعم والتيسير حتى تتحول إلى أنشطة مستدامة، كما تنبه إلى أن تقويم أثر تأسيس الشركات في البطالة ينبغي أن يراعي النطاق الجغرافي والأفق الزمني، فالأثر الخافض للبطالة لم يظهر إلا على مستوى المدن وبعد أربع إلى خمس سنوات، وهو ما يستدعي صبرًا سياساتيًا ومتابعة طويلة الأجل عند تصميم برامج دعم الشركات الناشئة وتقويم جدواها
ويتسق الأثر الإيجابي للبطالة في تأسيس الشركات مع ما يعرف بريادة أعمال الضرورة، إذ يلجأ بعض العاطلين إلى العمل الحر وتأسيس مشروعات صغيرة حين تضيق أمامهم فرص التوظيف المأجور، غير أن شركات الضرورة هذه تختلف عادة عن شركات الفرصة في الحجم والاستمرارية والقدرة على التوظيف، وهو فارق ينبغي أن تضعه سياسات الدعم في الحسبان عند تقويم حصيلة موجات التأسيس
ومن جهة أخرى يفسر تأخر أثر تأسيس الشركات في خفض البطالة أن الشركات الجديدة تحتاج وقتًا لتنمو وتثبت في السوق قبل أن تتحول إلى مصدر صاف لفرص العمل، وأن كثيرًا منها يخرج من السوق في سنواته الأولى، فلا يظهر الأثر الكلي إلا بعد انقضاء سنوات كافية تسمح للشركات الباقية بالتوسع والتوظيف، ولا سيما على مستوى المدن حيث تكون الروابط الاقتصادية أكثر مباشرة وقابلية للرصد
وخلاصة القول إن البطالة تدفع تأسيس الشركات الجديدة في تركيا دفعًا دالًا إحصائيًا، بينما لا يرد تأسيس الشركات على البطالة خفضًا دالًا إلا على مستوى المدن وبفواصل زمنية متأخرة، وهو عدم تماثل ينبغي أن تضعه سياسات التشغيل وريادة الأعمال في حسبانها








