ما يزال اتجاه العلاقة بين النمو الاقتصادي وعدم مساواة الدخل مجالا مفتوحا للبحث، إذ تقترح النماذج النظرية إمكان قيام ارتباطات موجبة أو سالبة بينهما، فالنمو قد يصاحبه اتساع في الفجوات حين تتركز عوائده في فئات محدودة، وقد يصاحبه انحسارها حين تتوزع منافعه على نطاق أوسع، وتسهم هذه الدراسة في هذا النقاش بفحص حالة المكسيك، وهي دولة تتصف بتفاوتات كبيرة ومستمرة في الدخل تجعلها ميدانا خصبا لاختبار طبيعة هذه العلاقة واتجاهها على مستوى وحداتها الإقليمية
ويتسم هذا النقاش بأهمية خاصة لأن فهم اتجاه الارتباط بين النمو والتفاوت ينعكس مباشرة على تصميم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، فإذا كان النمو المكسيكي مقترنا بنيويا بتصاعد عدم المساواة، فإن معالجة التفاوت تصبح جزءا من إصلاح نموذج النمو ذاته لا مجرد سياسة تصحيحية لاحقة له، كما أن المتوسطات الوطنية قد تخفي تباينات إقليمية حادة بين الولايات الغنية والفقيرة، وبين الشمال والجنوب، وهو ما تعالجه هذه الدراسة بمقاربة إقليمية تراعي الجوار المكاني وآثاره الممتدة عبر الحدود الإدارية للولايات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تهدف الدراسة إلى فحص روابط النمو وعدم المساواة في الولايات المكسيكية خلال المدة من عام 2005 إلى عام 2019، وتقدم إسهامات منهجية عدة، أولها اعتماد مقاربة إقليمية ببيانات على مستوى الولايات توفر إطارا أنسب للمقارنة من الدراسات العابرة للدول، وثانيها استخدام ثلاثة مقاييس متميزة لعدم مساواة الدخل هي نسبة بالما التي تقارن الشريحة الدخلية العليا بالدنيا، ونسبة الشريحة العليا إلى الوسطى، ومعامل جيني، بما يقدم منظورا أشمل لتوزيع الدخل عبر شرائحه، وثالثها توظيف مقاربة بيانات اللوحة التي تحسب حساب آثار الجوار المكاني المتمثلة في تأثير عدم المساواة في الولايات المجاورة في نمو كل ولاية
ثانيًا: أبرز النتائج
١- كشفت النتائج عن ارتباط موجب قوي ودال بين عدم المساواة والنمو، إذ تتزامن فترات تصاعد عدم المساواة مع تسارع النمو الاقتصادي في الولايات المكسيكية عبر المدة المدروسة
٢- تتفق في المقابل فترات تراجع عدم المساواة مع تباطؤ النمو، بما يعزز صورة الاقتران الموجب بين المتغيرين في التجربة المكسيكية ويستبعد فكرة أن خفض التفاوت رافق تاريخيا فترات الازدهار
٣- استطاع النموذج التقاط ارتباطات موجبة وسالبة معا لمجموعات مختلفة من الولايات عبر مدة التحليل، بما يبرز أهمية مراعاة التباين الإقليمي عند إجراء دراسات وطنية المستوى تستند إلى المتوسطات العامة
٤- بدت آثار عناقيد عدم المساواة المكانية في النمو مهمة أيضا، إذ امتد تأثير التجمعات المكانية للتفاوت إلى ولايات الشمال والجنوب على السواء، فلا تعمل كل ولاية بمعزل عن جوارها الإقليمي
٥- توحي النتائج مجتمعة بأن نموذج النمو في المكسيك غير متكافئ بنيويا، وهو ما يساعد على تفسير استمرار وضع عدم المساواة في الدولة خلال العقود الأخيرة رغم فترات النمو المتعاقبة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبه النتائج صناع السياسات إلى أن تعزيز النمو وحده قد لا يخفض عدم المساواة في السياق المكسيكي، بل قد يصاحبه تصاعدها ما لم تعالج البنى المولدة للتفاوت في نموذج النمو ذاته، كما تدعو الباحثين إلى تجاوز المتوسطات الوطنية نحو تحليلات إقليمية ترصد التباين بين الولايات وآثار الجوار المكاني بينها، وتفيد مخططي التنمية الإقليمية في تصميم تدخلات تراعي خصوصية كل مجموعة من الولايات وعلاقاتها بجيرانها بدل سياسات موحدة قد تخفي فروقا جوهرية وتعمقها
وتفتح هذه النتائج أسئلة بحثية وسياساتية أوسع حول جدوى الحديث عن علاقة واحدة بين النمو والتفاوت على المستوى الوطني، فإذا كانت العلاقة تتغير بتغير المجموعات الإقليمية والجوار المكاني، فإن سياسات النمو بدورها ينبغي أن تقرأ خريطتها الإقليمية قراءة دقيقة، وأن تراعي أن تسريع النمو في ولاية ما قد يجر تفاوت ولايات مجاورة معه، ومن ثم تحتاج المعالجات إلى تنسيق إقليمي يتجاوز حدود الولاية الواحدة وسياساتها المنفردة وبرامجها المحلية المغلقة
وخلاصة القول إن النمو وعدم المساواة في ولايات المكسيك ارتبطا ارتباطا موجبا قويا بين عامي 2005 و2019، بما يشير إلى نموذج نمو غير متكافئ بنيويا يستدعي معالجات إقليمية متمايزة
