ظلت جزر الكناري زمنًا طويلًا وجهة أوروبية رئيسة للسياحة الجماهيرية ارتبطت في الأذهان بإجازات الشمس والشاطئ، غير أن الانتقادات الموجهة إلى السياحة الجماهيرية اشتدت في السنوات الأخيرة وبلغت ذروتها في احتجاجات عام 2024 في جزر الكناري التي ربطت بين السياحة الجماهيرية وعدم المساواة الاقتصادية ومخاوف الاستدامة، وفي هذا السياق تطرح الدراسة عبر حالة السياحة الآيسلندية إلى جزر الكناري سؤالين جوهريين، أولهما لماذا تبدو وجهات السياحة الجماهيرية جذابة للسائحين رغم ما يحيط بها من نقد، وثانيهما كيف يمكن فهم هذه الأسباب فهمًا أعمق ضمن سياق جيوسياسي وبنيوي أوسع يتجاوز تفضيلات الأفراد المباشرة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى الإجابة عن سؤاليها عبر منهجية تجمع بين أداتين متكاملتين، أولاهما مسح أُجري في آيسلندا عام 2022 للوقوف على تصورات السائحين الآيسلنديين لجزر الكناري ودوافع اختيارهم لها، وثانيتهما تحليل التغطية الإعلامية في آيسلندا المتعلقة بجزر الكناري خلال الفترة من عام 2017 إلى عام 2022، وأتاح هذا الجمع مقارنة ما يجذب السائحين فعلًا إلى الوجهة بما يدور حولها من نقاش عام في وسائل الإعلام، فبينما يقدم المسح صورة الوجهة كما يعيشها جمهورها، يقدم تحليل الإعلام صورة الوجهة كما تُبنى وتُتداول في الخطاب العام، وهو ما يمنح الدراسة قدرة على ربط جاذبية الوجهة بشروطها البنيوية والإعلامية معًا
ثانيًا: أبرز النتائج
1- تشير بيانات المسح إلى أن الجزر تُدرك بالدرجة الأولى بوصفها وجهة إجازات راسخة يسهل الوصول إليها، فسهولة الوصول والرسوخ التاريخي بوصفها وجهة معروفة مجربة هما جوهر جاذبيتها لدى السائحين الآيسلنديين، لا الاكتشاف أو المغامرة أو التجربة الجديدة
2- يكشف تحليل النقاش الإعلامي عن خطاب محدود حول الجزر في الإعلام الآيسلندي يركز بصورة رئيسة على السياحة ذاتها، فلا تحضر الجزر في الوعي العام الآيسلندي إلا بوصفها وجهة سياحية تقريبًا، وتغيب عن هذا الخطاب أبعاد أخرى لحياة الجزر ومجتمعاتها المحلية
3- توضح النتائج كيف تصبح وجهات بعينها مرغوبة ومطلوبة عبر إعطاء الأولوية للبنية التحتية المرتبطة بالسياحة الجماهيرية وتطويرها المستمر، فتتحول هذه البنية ذاتها إلى مصدر للجاذبية يعيد إنتاج طلب السائحين عليها جيلًا بعد جيل
4- يميل أثر السياحة في المجتمعات المضيفة واقتصاداتها وبيئاتها إلى أن يظل غير مرئي في الخطاب الإعلامي المدروس، فلا تظهر كلف السياحة الجماهيرية على السكان المحليين ومواردهم في الصورة العامة المتداولة عن الوجهة رغم حضورها في واقعها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز الدراسة مفارقة السياحة الجماهيرية في عصر السياحة المفرطة، إذ تستمر جاذبية الوجهات الراسخة وقدرتها على استقطاب السائحين رغم تصاعد الانتقادات والاحتجاجات المرتبطة بآثارها الاقتصادية والبيئية، وتدعو إلى فهم هذه الجاذبية ضمن سياق بنيوي وجيوسياسي أوسع لا يقتصر على تفضيلات السائحين الفردية وخياراتهم الاستهلاكية، كما تنبه صانعي السياسات السياحية إلى أن غياب آثار السياحة عن الخطاب الإعلامي لا يعني غيابها عن الواقع المعيش للمجتمعات المضيفة، وأن معالجة عدم المساواة ومخاوف الاستدامة تبدأ بجعل هذه الآثار مرئية في النقاش العام حول الوجهات الجماهيرية، وتفيد الدراسة الباحثين في جغرافية السياحة ودراسات الإعلام بتقديمها نموذجًا لتحليل جاذبية الوجهات عبر تقاطع بيانات الجمهور والخطاب الإعلامي معًا
كما تسهم الدراسة في إعادة توجيه نقاش السياحة المفرطة من التركيز على أعداد السائحين وحدهم إلى التركيز على شروط إنتاج الجاذبية ذاتها والخطابات التي تحجب كلفتها، فالمشكلة لا تكمن في الوجهة الراسخة وحدها بل في منظومة كاملة من بنى تحتية وتسويق وخطاب إعلامي تجعل استهلاك الوجهة يبدو طبيعيًا وبلا ثمن اجتماعي أو بيئي ظاهر، ومن ثم يصبح إصلاح صورة الوجهة في الإعلام جزءًا من إصلاح واقعها السياحي ذاته
وخلاصة القول إن جاذبية جزر الكناري لدى السائحين الآيسلنديين تستند إلى كونها وجهة راسخة سهلة الوصول تدعمها بنية تحتية متطورة للسياحة الجماهيرية، بينما يظل الخطاب الإعلامي حولها محدودًا يخفي آثارها في المجتمعات المضيفة، وهو ما يفسر استمرار السياحة الجماهيرية وازدهارها رغم نقدها المتزايد








