تطرح العلاقة بين الدورة الانتخابية وسلوك السياسة المالية للحكومات سؤالًا قديمًا في الاقتصاد السياسي حول ما إذا كانت الحكومات الحالية تتصرف انتهازيًا قبيل الانتخابات فتوسع الإنفاق أو تخفض الضرائب طلبًا لأصوات الناخبين على حساب استقرار الموازنة، وتزداد أهمية هذا السؤال في البلدان متوسطة الدخل حيث تكون المؤسسات الرقابية أضعف نسبيًا، وتفحص هذه الدراسة هذه الظاهرة اعتمادًا على بيانات مفصلة للإنفاق والإيرادات تتيح رؤية أثر الدورة الانتخابية في مكونات الموازنة كل على حدة بدل الاكتفاء بالمجاميع الكلية التي قد تخفي سلوكيات متعاكسة بين البنود
وتتميز الدراسة بتفكيكها بيانات الموازنة إلى سلسلات إنفاق وإيرادات مفصلة، وهو ما يسمح بتحديد البنود التي يتركز فيها الأثر الانتخابي دون غيرها، وباستخدامها منهجًا ديناميكيًا يعالج قضايا الداخلية في التقدير، بما يجعل الأدلة المستخلصة أكثر صلابة في إثبات أن أثر الدورة الانتخابية في الأداء المالي حقيقي ومركز في بنود بعينها لا موزع بالتساوي على الموازنة كلها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تهدف الدراسة إلى فحص الدورة الانتخابية وسلوك السياسة المالية للحكومة المركزية باستخدام قاعدة بيانات لوحية ذات سلسلات إنفاق وإيرادات مفصلة تغطي 34 بلدًا متوسط الدخل خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2022، واعتمدت منهجًا لوحيًا ديناميكيًا لفحص الإنفاق الحكومي الكلي والدخل ومكوناتهما بحثًا عن أنماط موازنة خلال مواسم الانتخابات، ووظفت طريقة العزوم المعممة للنظام بخطوتين لمعالجة شواغل الداخلية، والتقط الأثر الديناميكي من خلال الإبطاء الأول لمؤشرات الموازنة بما يكشف مدى استمرارية اتساع هذه المؤشرات عبر الزمن
ثانيًا: أبرز النتائج
١- الأثر الديناميكي الملتقط من الإبطاء الأول لمؤشرات الموازنة يشير إلى أن اتساع المؤشر المعني ذو طابع مستمر عبر الفترات
٢- توجد أدلة على أن الحكومة الحالية انتهازية، بما يشير إلى أن الدورة الانتخابية تؤثر في الأداء المالي
٣- يتركز الأثر الانتخابي بصورة خاصة في الإنفاق على الشؤون الاقتصادية وفي الضرائب على الدخل والأرباح ومكاسب رأس المال
٤- تنظيم الفساد وترسيخ موقف ديمقراطي قد يخففان من آثار الدورة الانتخابية في استقرار الموازنة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
ينبغي أن يكون صناع السياسات أكثر وعيًا بالأثر الانتهازي للحكومة خلال فترة الانتخابات، وأن يعملوا على حماية استقرار الموازنة من التقلبات المرتبطة بالتقويم الانتخابي، وتفيد النتائج وزارات المالية وهيئات الرقابة في البلدان متوسطة الدخل في تصميم قواعد مالية ومؤسسات رقابية تحد من توظيف الإنفاق الاقتصادي والضرائب الدخلية لأغراض انتخابية، وتؤكد أن مكافحة الفساد وتعميق الممارسة الديمقراطية ليسا مطلبين سياسيين فحسب بل أداتين لضبط المالية العامة أيضًا
ويبرر التفصيل في بيانات الموازنة نفسه منهجيًا، فلو اكتفت الدراسة بالمجاميع الكلية للإنفاق والإيرادات لأمكن أن تتعادل آثار متعاكسة بين البنود وتختفي الظاهرة، أما وقد فحصت المكونات بندًا بندًا فقد ظهر أن الانتهازية الانتخابية لا تعم الموازنة كلها بل تتركز حيث يسهل توظيفها انتخابيًا، في الإنفاق على الشؤون الاقتصادية المرئي أثره للناخبين وفي الضرائب على الدخل والأرباح ومكاسب رأس المال التي يمس تخفيفها شرائح واسعة، كما أن معالجة الداخلية بطريقة العزوم المعممة للنظام بخطوتين تعزز الثقة بأن العلاقة المقدرة لا تعكس مجرد تزامن، وأن استمرارية اتساع مؤشرات الموازنة تعني أن تجاوزات موسم الانتخابات قد تمتد آثارها إلى فترات لاحقة
وتكتسب تغطية الدراسة لأربعة وثلاثين بلدًا متوسط الدخل عبر ثلاثة وعشرين عامًا قيمة مقارنة واسعة، إذ لا تختزل الظاهرة في تجربة بلد واحد أو دورة انتخابية بعينها، بل تختبر انتظامها عبر سياقات مؤسسية وسياسية متنوعة، فإذا تكرر النمط الانتهازي في هذا الاتساع كان دليلًا على سلوك بنيوي يرتبط بحوافز الانتخابات ذاتها، وهو ما يرفع أهمية الضوابط المؤسسية العابرة للحكومات مثل قواعد المالية العامة وأجهزة الرقابة المستقلة وشفافية الموازنة المفصلة أمام الجمهور
وخلاصة القول إن الدورة الانتخابية تترك بصمة واضحة في السياسة المالية للبلدان متوسطة الدخل تتركز في بنود إنفاق وضرائب محددة، وإن الوعي المؤسسي بهذا السلوك الانتهازي وضبط الفساد شرطان عمليان للحفاظ على استقرار الموازنة في مواسم الانتخابات
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/13/6/151
DOI: 10.3390/economies13060151
