تتزايد تعقيدات مياه الصرف الصناعي وتباين خصائصها بما يفرض استراتيجيات معالجة قادرة على التنبؤ الموثوق والرصد المستمر والتحسين ودعم اتخاذ القرار التشغيلي في المحطات، وقد اتسع في السنوات الأخيرة توظيف الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في هذه الوظائف بما يعد بتحويل إدارة محطات المعالجة من التفاعل اللاحق مع المشكلات إلى الاستباق المبني على البيانات والنماذج التنبؤية، غير أن الأدبيات ما تزال مجزأة عبر الملوثات وعمليات المعالجة ومناهج النمذجة المختلفة، فلا تتوافر صورة كلية محدثة عن اتجاهات المجال ومجالات تطبيقه وفجواته الحرجة، ومن هنا تأتي أهمية مراجعة ببليومترية نقدية ترسم خريطة الإنتاج العلمي في المجال وتقيم نضج تطبيقاته ومدى قربها من التشغيل الفعلي في البيئات الصناعية الحقيقية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تقدم الدراسة مراجعة ببليومترية نقدية لمنشورات تطبيق الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في معالجة مياه الصرف الصناعي المفهرسة في قاعدة سكوبس والمنشورة بين عامي 2016 و2025 وعددها 151 منشورا، ورصدت الدراسة مسار النمو الزمني للإنتاج والتوزيع الجغرافي للمساهمات والاتجاهات البحثية الرئيسة والتقنيات الأكثر استخداما في المجال، كما أجرت تقييما على مستوى الدراسات الفردية لثمان وثلاثين دراسة تطبيقية أصلية قابلة للتقييم التقني، فحصت فيه تصميمات التحقق المعتمدة وما إذا كان التقييم قد جرى دون اتصال وبأثر رجعي أم عبر تشغيل متصل أو لحظي، وبيئات التطبيق الممتدة من النطاق المخبري والمقعدي إلى البيانات الصناعية كاملة النطاق
ثانيًا: أبرز النتائج
١- نما الإنتاج العلمي في المجال نموا كبيرا فبلغ 35 منشورا في عام 2024 و67 منشورا في عام 2025، مقابل منشور واحد إلى أربعة منشورات سنويا فقط بين عامي 2016 و2019
٢- تصدرت الصين المساهمات بأربعة وخمسين منشورا تلتها الهند بستة وعشرين منشورا، بينما ساهمت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة بخمسة عشر منشورا لكل منهما
٣- تركزت الاتجاهات البحثية الرئيسة في التنبؤ والاستشعار البرمجي، وتحسين العمليات والتحكم فيها، والرصد والرقمنة، والامتزاز والمعالجة القائمة على المواد، وعمليات الأغشية، والأكسدة المتقدمة والتحلل
٤- كانت الشبكات العصبية الاصطناعية وآلات المتجهات الداعمة والغابات العشوائية والنماذج الهجينة بين التقنيات الأكثر تطبيقا في دراسات المجال
٥- اعتمدت 34 دراسة من أصل 38 دراسة قابلة للتقييم التقني أي ما نسبته 89.5 في المئة على تقييم دون اتصال أو بأثر رجعي للنماذج، بينما أظهرت أربع دراسات فقط أي 10.5 في المئة تقييما أو تشغيلا متصلا أو لحظيا
٦- ساد التحقق الداخلي التقليدي بين الدراسات التي أمكن تحديد تصميم تحققها، بينما ظل التحقق المستقل الزمني أو العابر للمجالات أو للمقاييس أو القائم على الميدان غير شائع نسبيا، وكانت التطبيقات المخبرية والمقعدية شائعة وإن استخدمت دراسات عدة بيانات صناعية كاملة النطاق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحدد الدراسة عوائق كبرى أمام النشر العملي لهذه التقنيات في مقدمتها محدودية قابلية نقل النماذج عبر مصفوفات مياه الصرف المختلفة، وعدم كفاية التحقق على النطاق الميداني، وعدم اتساق جودة المستشعرات والبيانات، ومحدودية قابلية النماذج للتفسير، وضعف تكاملها مع أنظمة التحكم في محطات المعالجة، وترشح الدراسة مسارات واعدة للتنفيذ في المدى القريب هي الاستشعار البرمجي للطلب الكيميائي على الأكسجين، ودعم ضبط الأس الهيدروجيني وجرعات المواد الكيميائية، والرصد اللحظي وكشف الشذوذ في التشغيل، بينما يتطلب التحكم مغلق الحلقة تحققا أقوى من سلامة الأداء واستقراره وأمنه على الأمد الطويل قبل اعتماده تشغيليا، وتنبه الدراسة المشغلين والمهندسين إلى أن الاستثمار في جودة البيانات وشبكات الاستشعار وصيانة المستشعرات يسبق منطقيا أي استثمار في نماذج أكثر تعقيدا، فالنماذج مهما بلغت دقتها المخبرية تظل رهينة مدخلاتها الميدانية، ويظل بناء قدرات بشرية قادرة على فهم مخرجات النماذج والتشكيك فيها عند اللزوم شرطا لتشغيل آمن وفعال على أرض الواقع
وخلاصة القول إن المجال ينتقل تدريجيا من بحوث معزولة متمحورة حول النماذج إلى نشر على مستوى الأنظمة التشغيلية تصبح فيه قابلية النقل والتحقق الميداني وقابلية التفسير والتكامل مع التحكم مساوية في أهميتها لأداء النموذج ذاته
